الاثنين، 28 سبتمبر 2009

خطبة الشيطان لأهل النار

  • بسم الله الرحمن الرحيم

    يقول الله - تعالى -"وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم، ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي، إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذابٌ أليم".

    هذه الآية تسمى خطبة إبليس

    ذكر الحسن كما في القرطبي: أن إبليس يقف يوم القيامة خطيباً في جهنم على منبر من نار يسمعه الخلائق جميعاً. وقيل أنه يخطب خطبته هذه بعدما يسمع أهل النار يلومونه ويقرعونه على أن أغواهم حتى دخلوا النار.

    فيقول لهم: إن الله وعدكم وعد الحق أي وعدكم وعداً حقاً بأن يثيب المطيع ويعاقب العاصي فوفى لكم وعده، ووعدتكم فأخلفتكم أي وعدتكم ألا بعث ولا ثواب ولا عقاب فكذبتكم وأخلفتكم الوعد، وما كان لي عليكم من سلطان أي لم يكن لي قدرة وتسلط عليكم إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي أي بالوسوسة والتزيين فاستجبتم لي باختياركم، فلا تلوموني ولوموا أنفسكم أي لا ترجعوا باللوم علي اليوم ولكن لوموا أنفسكم فالذنب ذنبكم، ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي أي ما أنا بمغيثكم ولا أنتم بمغيثي من عذاب الله، إني كفرت بما أشركتمون من قبل أي كفرت بإشراككم لي مع الله في الطاعة، إن الظالمين لهم عذاب أليم أي أن المشركين لهم عذاب مؤلم. هكذا يكشف إبليس عن عداوته لابن آدم ويعترف بخذلانه له ليزيده حسرة وندماً.

    عباد الله إن ربنا - تبارك و تعالى - حذرنا من هذا العدو الغرور الخداع وآيات الكتاب المبين مليئة بالآيات التي تحذرنا من الشيطان ومن وسوسته وتزيينه للفواحش والمعاصي ومع ذلك ما أكثر ما يخدعنا وما أكثر ما ننجرف في طريقه

    هذه جملة من الآيات التي تحذرنا من إبليس يقول الله - تعالى -:"إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير"...."ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين"...."ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين"..."يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا"..."يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة..."كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير"..."استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان إلا إن حزب الشيطان هم الخاسرون". وغيرها كثير.
    فهلا اتعظنا عباد الله بواعظ القرآن ونذير الرحمن، إنه كلام علام الغيوب، الله رب العالمين، وليس على كلام الله مزيد بيان.
    اللهم إنا نعوذ بك أن نظل أو نُظل أو نزل أو نُزل، اللهم إنا نعوذ بك من شرور أنفسنا ومن همزات الشيطان.
    اللهم اعصمنا من الشيطان ومن وسوسته وهمزه ولمزه
    .

لماذا عدد النساء أكبر من عدد الرجال في جهنم ؟


  • بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه أجمعين . أما بعد:
    ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن النساء هن أكثر أهل النار فعن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: (اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاء)َ.رواه البخاري 3241 ومسلم 2737.
    أما سبب ذلك فقد سُئل عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - وبَيَّن الجواب:
    فعَنْ عَبْد ِاللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (أُرِيتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ) قَالُوا: بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (بِكُفْرِهِنَّ) قِيلَ: يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ، قَالَ: (يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ) رواه البخاري 1052.
    وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي أَضْحَى أَوْ فِطْرٍ إِلَى الْمُصَلَّى فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ: (يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ) فَقُلْنَ: وَبِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِير مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ) قُلْنَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ) قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: (فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ) قُلْن َ: بَلَى، قَالَ: (فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا) رواه البخاري 304.
    وعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الصَّلاةَ يَوْمَ الْعِيدِ فَبَدَأَ بِالصَّلاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلا إِقَامَةٍ ثُمَّ قَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى بِلالٍ فَأَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَحَثَّ عَلَى طَاعَتِهِ وَوَعَظَ النَّاسَ وَذَكَّرَهُمْ ثُمَّ مَضَى حَتَّى أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ فَقَالَ: (تَصَدَّقْنَ فَإِنَّ أَكْثَرَكُنَّ حَطَبُ جَهَنَّمَ) فَقَامَتِ امْرَأَةٌ مِنْ سِطَةِ النِّسَاءِ سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ فَقَالَتْ: لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (لأَنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ الشَّكَاةَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ) قَالَ: فَجَعَلْنَ يَتَصَدَّقْنَ مِنْ حُلِيِّهِنَّ يُلْقِينَ فِي ثَوْبِ بِلالٍ مِنْ أَقْرِطَتِهِنَّ وَخَوَاتِمِهِنَّ. رواه مسلم 885.
    وينبغي على الأخوات المؤمنات اللاتي يعلمن بهذا الحديث أن يكون تصرفهن كتصرف هؤلاء الصحابيات اللاتي لما علمن بهذا عملن من الخير ما يكون بإذن الله سبباً في إبعادهن من أن يدخلن ضمن هؤلاء الأكثر.
    فنصيحتنا للأخوات الحرص على التمسك بشعائر الإسلام وفرائضه لاسيما الصلاة والبعد عما حرمه الله - سبحانه وتعالى - وبخاصة الشرك بصوره المتعددة التي تنتشر في أوساط النساء مثل طلب الحاجات من غير الله وإتيان السحرة والعرافين ونحو ذلك.
    نسأل الله أن يبعدنا وجميع إخواننا وأخواتنا عن النار وما قرّب إليها من قول أو عمل.

طعام أهل النار وشرابهم ولباسهم

  • بسم الله الرحمن الرحيم

    طعام أهل النار الضريع والزقوم، وشرابهم الحميم والغسلين والغساق، قال - تعالى -: (ليس لهم طعام إلا من ضريع* لا يسمن ولا يغني من جوع) [الغاشية: 6-7]، والضريع شوك بأرض الحجاز يقال له الشبرق. وعن ابن عباس: الشبرق: نبت ذو شوك لاطئ بالأرض، فإذا هاج سمي ضريعاً. وقال قتادة: من أضرع الطعام وأبشعه (1). وهذا الطعام الذي يأكله أهل النار لا يفيدهم، فلا يجدون لذة، ولا تنتفع به أجسادهم، فأكلهم له نوع من أنواع العذاب.
    وقال - تعالى -: (إن شجرت الزقوم*طعام الأثيم*كالمهل يغلي في البطون* كغلي الحميم) [الدخان: 43-46], وقد وصف شجرة الزقوم في آية أخرى فقال: (أذلك خيرٌ نزلاً أم شجرة الزقوم* إنا جعلناها فتنة للظالمين* إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم*طلعها كأنه رؤوس الشياطين* فإنهم لأكلون منها فمالئون منها البطون* ثم إن لهم عليها لشوباً من حميم* ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم) [الصافات: 62-68].
    وقال في موضع آخر: (ثم إنكم أيها الضالون المكذبون* لأكلون من شجر من زقوم * فمالئون منها البطون* فشاربون عليه من الحميم* فشاربون شرب الهيم* هذا نزلهم يوم الدين) [الواقعة: 51-56].
    ويؤخذ من هذه الآيات أن هذه الشجرة شجرة خبيثة، جذورها تضرب في قعر النار، وفروعها تمتد في أرجائها، وثمر هذه الشجرة قبيح المنظر ولذلك شبهه برؤوس الشياطين، وقد استقر في النفوس قبح رؤوسهم وإن كانوا لا يرونهم، ومع خبث هذه الشجرة وخبث طلعها، إلا أن أهل النار يلقى عليهم الجوع بحيث لا يجدون مفراً من الأكل منها إلى درجة ملء البطون، فإذا امتلأت بطونهم أخذت تغلي في أجوافهم كما يغلي دردي الزيت، فيجدون لذلك الآماً مبرحة، فإذا بلغت الحال بهم هذا المبلغ اندفعوا إلى الحميم، وهو الماء الحار الذي تناهى حره، فشربوا منه كشرب الإبل التي تشرب وتشرب ولا تروى لمرض أصابها، وعند ذلك يقطع الحميم أمعاءهم (وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم) [محمد: 15].
  • هذه هي ضيافتهم في ذلك اليوم العظيم، أعاذنا الله من حال أهل النار بمنه وكرمه.
    وإذا أكل أهل النار هذا الطعام الخبيث من الضريع والزقوم غصوا به لقبحه وخبثه وفساده (إن لدينا أنكالاً وجحيماً* وطعاماً ذا غصة وعذاباً أليما) [المزمل: 12-13]، والطعام ذو الغصة هو الذي يغص به آكله، إذ يقف في حلقه.
    وقد صور لنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - شناعة الزقوم وفظاعته، فقال: " لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا، لأفسدت على أهل الأرض معايشهم، فكيف بمن يكون طعامه " رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. (2)
    ومن طعام أهل النار الغسلين، قال - تعالى -: (فليس لـه اليوم هاهنا حميم * ولا طعام إلا من غسلين * لا يأكله إلا الخاطئون)[الحاقة: 35-37]، وقال - تعالى -: (هذا فليذوقوه حميم وغساق* وآخر من شكله أزواج) [ص: 57-58].
    والغسلين والغساق بمعنى واحد، وهو ما سال من جلود أهل النار من القيح والصديد، وقيل: ما يسيل من فروج النساء الزواني ومن نتن لحوم الكفرة وجلودهم، وقال القرطبى: هو عصارة أهل النار. (3)
    وقد أخبر الحق أن الغسلين واحد من أنواع كثيرة تشبه هذا النوع في فظاعته وشناعته.
    أما شرابهم فهو الحميم، قال - تعالى -: (وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم) [محمد: 15]، وقال: (وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا) [الكهف: 29]، وقال: (ويسقى من ماء صديد* يتجرعه ولا يكاد يسيغه) [إبراهيم: 16-17]، وقال: (هذا فليذوقوه حميم وغساق) [ص: 57].
    وقد ذكرت هذه الآيات أربعة أنواع من شراب أهل النار:
    الأول: الحميم، وهو الماء الحار الذي تناهي حره، كما قال - تعالى -: (يطوفون بينهم وبين حميم آن) [الرحمن: 44]، والـ (آن): هو الذي انتهى حره، وقال: (تسقى من عين آنية) [الغاشية: 5]، وهي التي انتهى حرها فليس بعدها حر.
    النوع الثاني: الغساق، وقد مضى الحديث عنه، فإنه يذكر في مأكول أهل النار ومشروبهم.
    والنوع الثالث: الصديد، وهو ما يسيل من لحم الكافر وجلده، وفي صحيح مسلم عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " إن على الله عهداً لمن شرب المسكرات ليسقيه طينة الخبال. قالوا: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: عرق أهل النار، أو عصارة أهل النار ".
    الرابع: المهل. وفي حديث أبي سعيد الخدري عند أحمد والترمذي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله:" كعكر الزيت، فإذا قرب وجهه سقطت فروة وجهه فيه ".
    وقال ابن عباس: في تفسير المهل: " غليظ كدردي الزيت ".
    أكلهم النار:
    من أصحاب الذنوب من يطعمه الله جمر جهنم جزاء وفاقاً، (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً) [النساء: 10].
    وقال: (إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمناً قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار) [البقرة: 174].
    أما لباس أهل النار فقد أخبرنا الحق- تبارك وتعالى -أنه يُفصّل لأهل النار حلل من النار، كما قال - تعالى -: (فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم) [الحج: 19]. وكان إبراهيم التيمي إذا تلا هذه الآية يقول: سبحان من خلق من النار ثياباً. (4)
    وقال - تعالى -: (وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد* سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار) [إبراهيم: 49]. والقطران: هو النحاس المذاب. وفي صحيح مسلم عن أبي مالك الاشعري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة، وعليه سربال من قطران ودرع من جرب ".
    وخرجه ابن ماجه ولفظه: " النائحة إذا ماتت ولم تتب قطع الله لها ثياباً من قطران ودرعاً من جرب ".

النار خالدة لا تبيد


  • بسم الله الرحمن الرحيم
    النار خالدة لا تفنى ولا تبيد، كما قال الطحاوي في عقيدته: " والجنة والنار مخلوقتان، لا تفنيان ولا تبيدان " (1)، ونقل ابن حزم اتفاق الأمة على ذلك، فقد جاء في كتابه " الملل والنحل " قوله: " اتفقت فرق الأمة كلها على أن لا فناء للجنة ولا لنعيمها، ولا للنار ولا لعذابها، إلا الجهم بن صفوان ". (2)
    وجاء في كتابه " مراتب الإجماع" قوله: "...وأن النار حق، وأنها دار عذاب لا تفنى، ولا يفنى أهلها بلا نهاية " (3).والنصوص الدالة على خلود النار كثيرة، وحسبك أن الله سماها " دار الخلد ".
    هذا مذهب أهل السنة والجماعة أن النار خالدة لا تبيد، وأهلها فيها خالدون، ولا يخرج منها إلا عصاة الموحدين، أما الكفرة والمشركون فهم فيها خالدون.

    القائلون بفناء النار والمخالفون لمذهب أهل الحق في هذه المسألة سبع فرق:
    1- الجهمية: القائلون بفناء النار وفناء الجنة أيضاً، وقد حكى الإمام أحمد في آخر كتاب " الرد على الزنادقة " مذهب الجهمية بأن النار والجنة تفنيان، ورد عليهم ذاكراً النصوص الدالة على عدم فنائهما.
    2- الخوارج والمعتزلة: يقولون بخلود كل من يدخل النار، ولو كانوا من أهل التوحيد، وسر هذا القول أن الخوارج يكفرون المسلمين بالذنوب، فكل من ارتكب ذنباً، فإنه كافر خالد مخلد في نار جهنم، والمعتزلة يرون أن من ارتكب ذنباً في منزلة بين المنزلتين، فلا هو مؤمن ولا كافر، ويجرون عليه أحكام الإسلام في الدنيا، ولكنه في الآخرة مخلد في نار جهنم، وقد سقنا كثيراً من النصوص الدالة على أن أهل التوحيد يخرجون من النار.
    3- اليهود: الذين يزعمون أنهم يعذبون في النار وقتاً محدوداً، ثم يخلفهم غيرهم فيها، وقد أكذبهم الله في زعمهم، ورد عليهم مقالتهم (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة قل أتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله مالا تعلمون * بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) [البقرة: 80 - 81]. (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون*ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون) [آل عمران: 23 - 24].
    ونقل ابن جرير في تفسيره عن ابن عباس أنه قال في تفسير آية البقرة: " قال أعداء الله اليهود: لن يدخلنا الله النار إلا تحلة القسم، الأيام التي أصبنا فيها العجل: أربعين يوماُ، فإذا انقضت عنا تلك الأيام، انقطع عنا العذاب ".
    وذكر ابن حرير عن السدي قوله: " قالت اليهود: إن الله يدخلنا النار أربعين ليلة، حتى إذا أكلت النار خطايانا، نادى مناد: أخرجوا كل مختون من ولد بني إسرائيل، فلذلك أمرنا أن نختن، قالوا: فلا يدعون منا في النار أحداً إلا أخرجوه ". (4)
    وذكر أيضاً ابن عباس قال: " ذكر أن اليهود وجدوا في التوراة مكتوياً: إن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة إلى أن ينتهي إلى شجرة الزقوم ثابتة في أصل الجحيم، وكان ابن عباس يقول: إن الجحيم سقر، وفيها شجرة الزقوم، فزعم أعداء الله أنه خلا العدد الذي وجدوا في كتابهم أياماً معدودة ".
    قال ابن جرير: "وإنما يعني بذلك يعني بذلك المسير الذي ينتهي في أصل الجحيم، فقالوا: إذا خلا العدد انتهى الأجل، فلا عذاب وتذهب جهنم وتهلك، فذلك قوله: (لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة) [البقرة: 80]. يعنون بذلك الأجل، فقال ابن عباس: " لما اقتحموا من باب جهنم ساروا في العذاب، حتى انتهوا إلى شجرة الزقوم آخر يوم من الأيام المعدودة، قال لهم خزان سقر: زعمتم أنكم لن تمسكم النار إلا أياماً معدودة، فقد خلا العدد، وأنتم في الأبد، فأخذ بهم في الصعود في جهنم يرهقون ". (5)
    4- قول إمام الاتحادية ابن عربي الطائي، فإنه زعم أن أهلها يعذبون فيها مدة، ثم تنقلب طبائعهم نارية يتلذذون بالنار لموافقتها لطبائعهم، قال ابن حجر في الفتح: "وهذا قول بعض من ينسب إلى التصوف من الزنادقة ". (6)

    5- قول من زعم أن أهلها يخرجون منها، وتبقى على حالها خالدة لا تبيد.
    6- قول أبي هذيل العلاف من أئمة المعتزلة الذاهب إلى أن حياة أهل النار تفنى، ويصيرون جماداً لا يتحركون، ولا يحسون بألم، قال بذلك لأنه يقول بامتناع حوادث لا نهاية لها، فخالف الأدلة الصريحة القطيعة الثبوت بمقاييس عقلية باطلة.
    7- قول من قال: إن الله يخرج منها من يشاء، كما ورد في الأحاديث، ثم يبقيها شيئاً، ثم يفنيها، فإنه جعل لها أمداً تنتهي إليه. (7)
    والقول الأخير مال إليه البحر العلامة شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -وغفر له، كما ذهب تلميذه العلامة ابن القيم - رحمه الله تعالى -.
    وقد تتابع العلماء في التأليف لبيان خطأ هذا المذهب، يقول ابن حجر العسقلاني بعد حكايته لهذا القول: "وقد مال بعض المتأخرين إلى هذا القول، ونصره بعدة أوجه من جهة النظر، وهو مذهب رديء مردود على قائله، وقد أطنب السبكي الكبير في بيان وهائه فأجاد "
    (8)، وهذا الكتاب الذي أشار إليه هو "الاعتبار ببقاء الجنة والنار" لتقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي الشافعي المتوفى سنة 756.
    وقال صديق حسن خان: "وقد ألف العلامة الشيخ مرعي الكرمي الحنبلي رسالة سماها: " توفيق الفريقين على خلود أهل الدارين "، وفي الباب رسالة للسيد الإمام محمد بن إسماعيل الأمير، ورسالة للقاضي العلامة المجتهد محمد بن علي الشوكاني، حاصلهما بقاء الجنة والنار وخلود أهلهما فيهما ".
    (9)

    وهنا أمور نحب بيانها:
    الأول: أن هذا القول قول باطل وإن ذهب إليه علمان من أعلام الإسلام، فقد علمنا شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم أن حب الحق ينبغي أن يكون مقدماً على حب الرجال. وأدلة بطلانه النصوص الكثيرة الدالة على خلود النار، وهي نصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة، وقد ذكرنا قول من نقل الإجماع على خلود النار.
    الثاني: أنه لا يجوز بحال من الأحوال ذم شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم بسبب هذه المقالة، فقد كفرهما قوم، وفسقهما قوم بسبب ذلك، وكل هذا ليس بصواب، فإنهما مجتهدان مأجوران مثابان، ولو علما الحق في خلاف قولهما لاتبعاه، ودعوى أن المخالف في مثل هذا يكفر قائله يوصل القائلين بهذا إلى تكفير أئمة هذه الأمة الذين لا يُمارى في إمامتهم، فإن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان يذهب إلى أن المسافر إذا لم يجد الماء لا يتيمم ولا يصلي، وقد اتفقت الأمة على خلاف هذا، والإمام مالك كان يرى أن "بسم الله الرحمن الرحيم" ليست آية من كتاب الله، وقد أجمعت الأمة على أن مابين الدفتين قرآن، وقال أقوام بعدم زيادة الإيمان ونقصانه مع كونه مثبت بالكتاب والسنة صريح
    فيهما، والإجماع منعقد عليه.
    الثالث: ينبغي أن ننبه أن لابن تيمية وابن القيم قولاً بعدم فناء النار، جاء في مجموع فتاوى شيخ الإسلام قوله في إجابة سؤال: " وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة على أن من المخلوقات ما لا يعدم ولا يفنى بالكلية كالجنة والنار والعرش وغير ذلك، ولم يقل بفناء جميع المخلوقات إلا طائفة من أهل الكلام المبتدعين، كالجهم بن صفوان ومن وافقه من المعتزلة ونحوهم، وهذا قول باطل يخالف كتاب الله، وسنة رسوله، وجماع سلف الأمة وأئمتها ". (10)
    وإذا كان الأمر كذلك، أي لهما قولان، فلا يجوز أن نجزم بأن القول بفناء النار هو قولهما ما لم يعلم أنه القول الأخير، وإذا لم يعلم القول الأخير فالأولى التوقف في نسبة أحد المذهبين إليهما.
    الرابع: الأدلة التي احتج بها شيخ الإسلام وابن القيم على فناء النار، بعضها غير صحيح، والصحيح منها غير صريح، بل يمكن حمله على غير فناء النار، بل على فناء النار التي يكون فيها عصاة الموحدين. وقد ناقش الصنعاني في رسالته التي يرد فيها على ابن تيمية وابن القيم هذه الأدلة، وبين عدم نهوضها على ما ذهبا إليه. وهذه الرسالة هي المسماة " برفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار ".
    (11)
    ومن الذين تعرضوا لهذه المسألة القرطبي في " التذكرة "، فقد ساق النصوص الدالة على خلود الجنة والنار، والمخبرة بأن الموت يذبح بين الجنة والنار ثم يقال: "يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت" ثم قال: " هذه الأحاديث مع صحتها في خلود أهل الدارين فيها، لا إلى غاية ولا إلى أمد، مقيمين على الدوام والسرمد من غير موت ولا حياة ولا راحة ولا نجاة ". (12)
    ورد القرطبي على الذين قالوا بفناء النار، وبين أن الذي يفنى إنما هو النار التي يدخلها عصاة الموحدين، قال: " فمن قال: إنهم يخرجون منها، وأن النار تبقى خالية بجملتها خاوية على عروشها، وأنها تفنى وتزول، فهو خارج عن مقتضى المعقول، ومخالف لما جاء به الرسول، وما أجمع عليه أهل السنة والأئمة العدول.. وإنما تخلى جهنم وهي الطبقة العلية التي فيها العصاة من أهل التوحيد، وهي التي ينبت على شفيرها الجرجير ".
    (13)
    ونقل القرطبي عن فضل بن صالح المعافري قال: " كنا عند مالك بن أنس ذات يوم، فقال لنا: انصرفوا، فلما كان العشية رجعنا إليه، فقال: إنما قلت لكم انصرفوا، لأنه جاءني رجل يستأذن علي زعم أنه قدم من الشام في مسألة فقال: يا أبا عبد الله ما تقول في أكل الجرجير، فإنه يتحدث عنه أنه ينبت على شفير جهنم؟ فقلت له: لا بأس به (14). فقال: أستودعك الله، وأقرأ عليك السلام، ذكره الخطيب أبو بكر أحمد - رحمه الله -، وذكر أبو بكر البزار، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: يأتي على النار زمان تخفق الرياح أبوابها، ليس فيها أحد، يعني من الموحدين، هكذا رواه موقوفاً عن عبد الله بن عمرو، وليس فيه ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومثله لا يقال من جهة الرأي، فهو مرفوع ". (15)

طعام أهل النار وشرابهم ولباسهم

  • بسم الله الرحمن الرحيم

    طعام أهل النار الضريع والزقوم، وشرابهم الحميم والغسلين والغساق، قال - تعالى -: (ليس لهم طعام إلا من ضريع* لا يسمن ولا يغني من جوع) [الغاشية: 6-7]، والضريع شوك بأرض الحجاز يقال له الشبرق. وعن ابن عباس: الشبرق: نبت ذو شوك لاطئ بالأرض، فإذا هاج سمي ضريعاً. وقال قتادة: من أضرع الطعام وأبشعه (1). وهذا الطعام الذي يأكله أهل النار لا يفيدهم، فلا يجدون لذة، ولا تنتفع به أجسادهم، فأكلهم له نوع من أنواع العذاب.
    وقال - تعالى -: (إن شجرت الزقوم*طعام الأثيم*كالمهل يغلي في البطون* كغلي الحميم) [الدخان: 43-46], وقد وصف شجرة الزقوم في آية أخرى فقال: (أذلك خيرٌ نزلاً أم شجرة الزقوم* إنا جعلناها فتنة للظالمين* إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم*طلعها كأنه رؤوس الشياطين* فإنهم لأكلون منها فمالئون منها البطون* ثم إن لهم عليها لشوباً من حميم* ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم) [الصافات: 62-68].
    وقال في موضع آخر: (ثم إنكم أيها الضالون المكذبون* لأكلون من شجر من زقوم * فمالئون منها البطون* فشاربون عليه من الحميم* فشاربون شرب الهيم* هذا نزلهم يوم الدين) [الواقعة: 51-56].
    ويؤخذ من هذه الآيات أن هذه الشجرة شجرة خبيثة، جذورها تضرب في قعر النار، وفروعها تمتد في أرجائها، وثمر هذه الشجرة قبيح المنظر ولذلك شبهه برؤوس الشياطين، وقد استقر في النفوس قبح رؤوسهم وإن كانوا لا يرونهم، ومع خبث هذه الشجرة وخبث طلعها، إلا أن أهل النار يلقى عليهم الجوع بحيث لا يجدون مفراً من الأكل منها إلى درجة ملء البطون، فإذا امتلأت بطونهم أخذت تغلي في أجوافهم كما يغلي دردي الزيت، فيجدون لذلك الآماً مبرحة، فإذا بلغت الحال بهم هذا المبلغ اندفعوا إلى الحميم، وهو الماء الحار الذي تناهى حره، فشربوا منه كشرب الإبل التي تشرب وتشرب ولا تروى لمرض أصابها، وعند ذلك يقطع الحميم أمعاءهم (وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم) [محمد: 15]. هذه هي ضيافتهم في ذلك اليوم العظيم، أعاذنا الله من حال أهل النار بمنه وكرمه.
    وإذا أكل أهل النار هذا الطعام الخبيث من الضريع والزقوم غصوا به لقبحه وخبثه وفساده (إن لدينا أنكالاً وجحيماً* وطعاماً ذا غصة وعذاباً أليما) [المزمل: 12-13]، والطعام ذو الغصة هو الذي يغص به آكله، إذ يقف في حلقه.
    وقد صور لنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - شناعة الزقوم وفظاعته، فقال: " لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا، لأفسدت على أهل الأرض معايشهم، فكيف بمن يكون طعامه " رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. (2)
    ومن طعام أهل النار الغسلين، قال - تعالى -: (فليس لـه اليوم هاهنا حميم * ولا طعام إلا من غسلين * لا يأكله إلا الخاطئون)[الحاقة: 35-37]، وقال - تعالى -: (هذا فليذوقوه حميم وغساق* وآخر من شكله أزواج) [ص: 57-58].
    والغسلين والغساق بمعنى واحد، وهو ما سال من جلود أهل النار من القيح والصديد، وقيل: ما يسيل من فروج النساء الزواني ومن نتن لحوم الكفرة وجلودهم، وقال القرطبى: هو عصارة أهل النار. (3)
    وقد أخبر الحق أن الغسلين واحد من أنواع كثيرة تشبه هذا النوع في فظاعته وشناعته.
    أما شرابهم فهو الحميم، قال - تعالى -: (وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم) [محمد: 15]، وقال: (وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا) [الكهف: 29]، وقال: (ويسقى من ماء صديد* يتجرعه ولا يكاد يسيغه) [إبراهيم: 16-17]، وقال: (هذا فليذوقوه حميم وغساق) [ص: 57].
    وقد ذكرت هذه الآيات أربعة أنواع من شراب أهل النار:
    الأول: الحميم، وهو الماء الحار الذي تناهي حره، كما قال - تعالى -: (يطوفون بينهم وبين حميم آن) [الرحمن: 44]، والـ (آن): هو الذي انتهى حره، وقال: (تسقى من عين آنية) [الغاشية: 5]، وهي التي انتهى حرها فليس بعدها حر.
    النوع الثاني: الغساق، وقد مضى الحديث عنه، فإنه يذكر في مأكول أهل النار ومشروبهم.
    والنوع الثالث: الصديد، وهو ما يسيل من لحم الكافر وجلده، وفي صحيح مسلم عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " إن على الله عهداً لمن شرب المسكرات ليسقيه طينة الخبال. قالوا: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: عرق أهل النار، أو عصارة أهل النار ".
    الرابع: المهل. وفي حديث أبي سعيد الخدري عند أحمد والترمذي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله:" كعكر الزيت، فإذا قرب وجهه سقطت فروة وجهه فيه ".
    وقال ابن عباس: في تفسير المهل: " غليظ كدردي الزيت
    ".
    أكلهم النار:
    من أصحاب الذنوب من يطعمه الله جمر جهنم جزاء وفاقاً، (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً) [النساء: 10].
    وقال: (إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمناً قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار) [البقرة: 174].
    أما لباس أهل النار فقد أخبرنا الحق- تبارك وتعالى -أنه يُفصّل لأهل النار حلل من النار، كما قال - تعالى -: (فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم) [الحج: 19]. وكان إبراهيم التيمي إذا تلا هذه الآية يقول: سبحان من خلق من النار ثياباً. (4)
    وقال - تعالى -: (وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد* سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار) [إبراهيم: 49]. والقطران: هو النحاس المذاب. وفي صحيح مسلم عن أبي مالك الاشعري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة، وعليه سربال من قطران ودرع من جرب ".
    وخرجه ابن ماجه ولفظه: " النائحة إذا ماتت ولم تتب قطع الله لها ثياباً من قطران ودرعاً من جرب ".

آيات في النار

  • بسم الله الرحمن الرحيم

    قال - تعالى -: (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون)، قال - تعالى -: (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون)، قال - تعالى -: (إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم)، قال - تعالى -: (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون)، قال - تعالى -: (إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار)، قال - تعالى -: (إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون)، قال - تعالى -: (واتقوا النار التي أعدت للكافرين)، قال - تعالى -: (سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين)، قال - تعالى -: (كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور)، قال - تعالى -: (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا)، قال - تعالى -: (إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين)، قال - تعالى -: (يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم)، قال - تعالى -: (ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين)، قال - تعالى -: (ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم)، قال - تعالى -: (والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون)، قال - تعالى -: (قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون)، قال - تعالى -: (ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين)، قال - تعالى -: (ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار)، قال - تعالى -: (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون)، قال - تعالى -: (أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون)، قال - تعالى -: (والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون)، قال - تعالى -: (أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون)، قال - تعالى -: (فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق)، قال - تعالى -: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون)، قال - تعالى -: (وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار)، قال - تعالى -(سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار)، قال - تعالى -: (ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا)، قال - تعالى -: (لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون)، قال - تعالى -: (تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون)، قال - تعالى -: (لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ومأواهم النار ولبئس المصير)، قال - تعالى -: (ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون)، قال - تعالى -: (وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون)، قال - تعالى -: (يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا)، قال - تعالى -: (فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون)، قال - تعالى -: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار)، قال - تعالى -: (قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار)، قال - تعالى -: (لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون)، قال - تعالى -: (وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار)، قال - تعالى -: (وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب)، قال - تعالى -: (ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون)، قال - تعالى -: (وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين)، قال - تعالى -: (هذه النار التي كنتم بها تكذبون)، قال - تعالى -: (يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر)، قال - تعالى -:(والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير).

الإنصاف الأدبي (1)

  • بسم الله الرحمن الرحيم

    لا أريد البحث عن الإنصاف الذي هو خلقٌ يحملُ صاحبَه على أن يُعطي الحقوق المادية من نفسه، كأن يعرف الرجل أن هذا المال أو المتاع حق لفلان؛ فَيَكُفَّ يده أو يرفعها عنه من تلقاء نفسه، لا يخشى سطوة حاكم، أو لومة لائم؛ فللحديث عن الإنصاف الذي هو تبرئة الذمة من الحقوق المادية مقام غير هذا المقام.

    وإنما الغرض البحث عن ضرب خاص من ضروب الإنصاف وهو أن يقول الرجل صواباً؛ فتعترف بأنه محق، أو يحرز خصلة حمد؛ فتقر بها ولا تنازع من يصفه بها.

    ولا أجد مانعاً من أن أسمي هذا النوع من الإنصاف "الإنصاف الأدبي" ويقابله من الأخلاق المذمومة "العناد" وهو جحود الحق، ورده مع العلم بأنه حق.

    والإنصاف الأدبي من الخصال التي لا ترسخ إلا في نفس نبتت في بيئة صالحة، وارتضعت من ثدي التربية الصحيحة لبناً خالصاً.

    والجماعة التي تفقد هذا الخلق تفقد جانباً عظيماً من أسباب السعادة، ويدخلها الوهن بعد الوهن، حتى تتفرق أيدي سبا(2) وعليك الإنصات، وعلينا البيان:

    بين الأخلاق روابط، وكثيراً ما يكون بعضها وليد بعض، كالعدل قد يكون وليد القناعة، وكالشجاعة قد تكون وليدة عزة النفس، وكالجبن قد يكون وليد الطمع، وكذلك خلق العناد، وعدم الإذعان للحق قد يكون وليد الحسد، وقد ينشأ عن طبيعة الغلو في حب الذات.

    وللغلو في حب الذات فرعان: حب الانفراد بالفخر، وإيثار النفس على كل شيء حتى الحق؛ فالحاسد أو الحريص على الانفراد بالفخر هو الذي يسمع الرجل يقول صواباً فيقول له: أخطأت، أو يسمع الثناء عليه ببعض ما أحرز من خصال فيقول للمُثني عليه: كذبت.

    وإيثار النفس على الحق هو الذي يحمل الرجل على التعصب لرأيه، والدفاع عنه وهو يعلم أنه في خطأ مبين.

    فمن أراد أن يَطْبَع ناشئاً على خلق الإنصاف نَقَّب على علتي الحسد والغلو في حب الذات، فإن وجد لهما في نفس الناشئ أثراً راوضه بالحكمة والموعظة الحسنة؛ حتى يتهيأ الناشئ لأن يكون على هذا الخلق العظيم، أعني خلق الإنصاف.

    وإذا كان منشأُ الحسد قلةَ ملاحظةِ أنَّ النعمَة تصل إلى صاحبها مِنْ علام الغيوب، وهو لا يرسلها إلا لِحِكْمَة - فإن من وسائل علاج هذا الداء تلقينَ الناشئ أن النعم ماديةً أو أدبيةً إنما ينالها الناس بمشيئة العليم الحكيم.

    وإذا كان منشأُ الحرصِ على الانفرادِ بالفخرِ هو الغلوَّ في حب الذات - كان على المربي تهذيبُ عاطفةِ حبِّ الذات في نفس الناشئ حتى تكون عاطفةً معتدلة: تجلب لها الخير، وتأبى له أن يَنال غيرَهُ بمكروه.

    وإذا شُفي الناشئ من مرض الحسد، وخَلُصَ من لوثة الغلو في حب الذات -لم يبقَ بينه وبين فضيلة الإنصاف إلا أن تَعْرِضَ عليه شيئاً من آثارِها الطيبةِ، وتُذَكِّره بما يدرك المحرومين منها والمُسْتَخِفِّين بها من خسار وهوان.

    وقلَّةُ الإنصاف تُبْعِد ما بين الأقارب أو الأصدقاء، وكم من تَجَافٍ نَشَأَ بين أخوين أو صديقين، وإنما نشأ من جحود أحدِهما بَعْضَ ما يتحلى به الآخر من فضل، أو من رَدِّه عليه رأياً أو روايةً وهو يعلم أنه مصيبٌ فيما رأى، أو صادقٌ فيما روى، قال الحكيم العربي:

    ولم تزل قِلَّةُ الإنصافِ iiقاطعةً * بين الرجال وإن كانوا ذوي رَحِمِ

    ومتى شَعُرَ الرجلُ من آخر بإنكار شيء من فضله، أو بتعسفه في معارضة رأيه- رآه غير موضعٍ للصحبة والمعاشرة، وربما وقع في ظنه أن الراحة في عدم لقائه.

    قلةُ الإنصافِ تَجُرُّ إلى التقاطعِ، والإنصافُ يدعو إلى الألفة، ويؤكد صلةَ الصداقة؛ فإذا كنت في مجلس، فقرر الرجل رأياً واضح الحجة، فغلبك ما في نفسك، وحاولت أن تصوره للناس خطأً - فقد ألقيت بينك وبينه عداوة؛ فإن خضعت لحجته، وأعربت له عن استحسان رأيه فقد مددت بينك وبينه سبباً من أسباب الألفة؛ إذ يشعر من إنصافك أنك لا تحمل له ضغناً، ولا تكره له أن ينال حمداً؛ فإن سبق هذا الإنصاف خصومةً شعر بأنك خصم شريف؛ فيسعى لأن تنقلب الخصومة سلماً، ويتبدل التقاطع ولاءاً.

    وقلةُ الإنصاف تسقط احترامك من العيون؛ فإن من يراك تهاجم الآراءَ المُؤَدَّيةَ بالحجة قد يَحْمِلَ هذا الهجومَ على قصر نظرِك، وعجزِك عن تمييز الباطل من الحق، فإن حمله على أنك تهاجمها؛ كراهة أن تكسب صاحبها حمداً وقع في نفسه أنك تتمنى لغيرك زوال النعمة، أو أنك حريص على الانفراد بخصال الحمد، فإن ذهب في تأويل إِبايَتِكَ لقبول الحق إلى أنك تموه على الناس؛ حتى لا ينسبوا إليك نقيصة الخطأ علم ما لم يكن يعلم من إيثارك النفس على الحق.

    ولا احترام لمن لا يدرك الآراءَ المؤيدةَ بالحجة، أو يتألم من أن يرى غيره في نعمة، أو من يعمل للانفراد بالحمد من طريق التعسف والعناد، أو من يدافع عن نفسه نقص الخطأ بمحاولة قتل الحق.

    قلةُ الإنصافِ تُسْقط احترامك من القلوبِ، والإنصافُ يزيد احترامك في القلوب مكانة؛ ذلك لأن إنصافك للرجال يدل على صفاء سريرتك، ونقائها من أن تكون قد حملت شيئاً من دنس الحسد، أو حام بها الغلوُّ في حب الذات.

    نقرأ في كتب الأدب أن منذر بن سعيد البلوطي دخل مصر، وحضر مجلس أبي جعفر النحاس وهو يملي أخبار الشعراء، فأنشد أبو جعفر أبيات مجنون ليلى هكذا:

    خليلي هل بالشام عينٌ iiحزينة * تُبَكِّي على نجد لعلي iiأعينها
    فقد أسلمها الباكون إلا iiحمامةٌ * مطوقةٌ باتت وبات iiقرينها
    تجاوبها أخرى على خَيْزَرانةٍ * يكاد يُدَنِّيها من الأرض iiلينها

    فأراد منذر أن ينبه على أن قراءة "باتت وبات" من عجز البيت الثاني بالتاء المثناة خطأ، فقال: يا أبا جعفر ماذا أعزك الله باتا يصنعان؟ فقال أبو جعفر: كيف تقول أنت يا أندلسي؟ قال منذر : "بانت وبان قرينه".

    كيف يكون مقام أبي جعفر في نفسك لو قص عليك التاريخ أنه تلقى تصحيح منذر بن سعيد بالارتياح، وقال له : أنا أخطأت، وأنت أصبت؟ لا شك أنك تحمل له من الاحترام فوق ما كنت تحمل.

    ولكن منذر بن سعيد يقول: إن ابن النحاس سكت وما زال يستثقلني، ثم عاد بعد حين إلى ما كنت أعرفه منه، يعني من الإقبال والحفاوة.

    وقلة الإنصاف تحول بين الرجل وبين أن يزداد علماً؛ فمن لم تنصفه من أهل العلم وجد في نفسه مُثَبِّطاً عن أن يسرع إلى إفادتك، أو يفيض القول في مذاكرتك؛ فيفوتك حظٌّ من العلم لولا عدم إنصافك لازددت به قوةً في الفهم، وسعةً في العلم.

    وقد يكون من أثر جحودك لفضل الرجل أن تقل رغبتك في ملاقاته، والتزود من آرائه أو رواياته، وكم وصل الرجل بإنصافه إلى علم وأدب جم.

    قال أبو إسحاق الزجاج: لما قدم المبرد بغداد آتيته لأناظره؛ وكنت أقرأ على أبي العباس ثعلب، وأميل إلى قول الكوفيين، فعزمت على إعنات المبرد، فلما فاتحني ألجمني بالحجة وطالبني بالعلة؛ وألزمني إلزامات لم أهتد إليها، فتبينت فضله، واسترجحت عقله وجددت في ملازمته.

    فلو كان أبو إسحاق من أولئك الذين يجمع بهم التعصب للأشياع أو المذهب حتى ينبذوا الإنصاف ناحية - لما اعترف بفضل المبرد وقد فاتحه بالمناظرة عازماً إعناته، ولَفَاتَه العلمُ الذي غَنِمَه بالجد في ملازمته.

    وقلة الإنصاف تحدث في العلم فساداً كبيراً؛ ذلك بأن من لم يقدر الإنصاف قدره، قد يرى بعض الآراء العلمية الصحيحة قد صدرت من شخص لا يرتاح هو لأنْ تكون قد صدرت منه، فيقابلها بالرد والإنكار؛ وقد تكون له براعة بيان؛ فيصرفها في تشويه وجه الحق وهو يعلم أنه حق، فيظهر الجهل على العلم ولو في فئة قليلة، أو دائرة صغيرة.

    قلة الإنصاف تخذل العلم، وتطمس شيئاً من معالمه، والإنصاف يؤيد العلم، ويجعل موارده صافية سائغة.

    ولو أخذ الإنصافُ حظَّه من نفوس جميع الباحثين عن الحقائق لقلَّت مسائلُ الخلاف في كل علم؛ فيكون حفظ العلوم أيسر، ومدة دراستها والرسوخ فيها أقصر.

    نقرأ في تاريخ العلامة محمد بن عبد السلام أن ابن الصباغ اعترض عليه في أربعَ عشرةَ مسألة، فلم يدافع عن واحدة منها، بل أقر بالخطأ في جميعها.

    ومن النواحي التي غفل فيها بعض الناس عن فضيلة الإنصاف؛ فكانت منبتَ فسادٍ غيرِ قليل - ناحيةُ التعصب للمذهب تَعَصُّب َ من لا يسمع، ولا يرى.

    ولصاحب المذهب أو المُقْتَدي به أن يبسط القول في تقرير أصوله، وإيراد حججه، وله أن يناقش أقوال مخالفيه وأدلتهم؛ فيردها، ويصفها بالخطأ إذا شاء.

    ومن الإنصاف أن يناقشها استبانةً للحق، ولا يصفها بالخطأ إلا بعد أن تأذن له الحجة في وصفها.

    والعالم الذي يطول نَظَرُه في أقوال الأئمة يشهدهم كيف يَرْمُون إلى غرض واحد هو الحكم المطابق للحق؛ فيمتلئ قلبه باحترامهم، ويقف في حدود الإنصاف عند دَرْسِه لمسألة من المسائل التي جرى فيها اختلافهم.

    قال الإمام الشافعي: "الظُّرف في الوقوف عند الحق كما وقف".

    لا يصعب على النفوس التي فيها بقيةٌ مِنْ خير أن تنصفَ الرجل يَبْتَكِر رأياً، أو ينهض لعمل؛ فتعترف لرأيه بالإصابة، أو لعمله بالإجادة.

    والإنصاف الذي قد تجمع عنه نفسك كثيراً أو قليلا أن تقول قولاً تظنه صواباً، أو تعمل عملا تحسبه حسناً؛ فينقده آخر بميزان العلم الصحيح، ويريك أنك قد قلت خطأ، أو عملت سيئا؛ ففي مثل هذا المقام قد تجد في نفسك كراهةً للاعتراف بالخطأ في القول، أو الإساءة في العمل؛ فإن كنت على ذكْرٍ من فضيلة الإنصاف، وما تؤتيه من ثمارٍ طيبة لم تلبث أن تَكْظُم هذه الكراهةَ، ولا تجد في نفسك حرجاً من أن تقول للناس: إني قد أخطأت في قولي، أو أسأت في عملي.

    وتاريخ علماء الإسلام مملوء بقصص الذين رجعوا عن آرائهم بعد محاورات أو مناظرات ظهر لهم منها أن الحق في جانب مَنْ دارت بينهم وبينه المحاورة أو المناظرة.

    ومما يروى في هذا الصدد أن مناظرةً جرت بين الإمامين: مالك بن أنس، وأبي يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة في مقدار الصاع الذي تؤدى به زكاةُ الفطر، فقال مالك: هو خمسة أرطال وثلث، وكان أبو يوسف يذهب إلى أنها ثمانية أرطال، فاحتج عليه مالك بالصيعان الموجودة لذلك العهد عند أبناء المهاجرين والأنصار بالمدينة؛ فرجع الإمام أبو يوسف إلى ما قاله الإمام مالك.

    لا يصعب على الرجل أن ينصف قريباً أو صديقاً، بل لا يصعب عليه أن ينصف مَنْ لا تربطه به قرابةٌ أو صداقةٌ، ولا تبعده منه عداوةٌ.

    والإنصاف الذي قد يحتاج فيه إلى مُراوضةِ النفس كثيراً أو قليلاً أن يبدي بعض أعدائه رأياً سديداً، أو يناقشه في رأي مناقشةً صائبة؛ فهذا موطن تذكير النفس بأدب الإنصاف، وإنذارها ما يترتب على العناد من إثم وفساد.

    ومن الإنصاف الذي يدل على الرسوخ في الفضيلة أن يتحدث الرجل عن خصمه، فينسب إليه ما يعرفه له من فضل.

    أُنشِد في مجلس الإمام علي بن أبي طالب قول الشاعر:

    فتىً كان يُدنيه الغنى من iiصديقه * إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر
    كأن الثريا عُلِّقت iiبجبينه * وفي خَدِّه الشِّعرى وفي الآخر البدر

    فلما سمعها علي بن أبي طالب - رحمه الله -، قال: هذا طلحة بن عبيد الله، وكان السيف لَيَلْتَئِدُ مجرداً بينهما
    .

    يسهل على الرجل أن ينصف مَنْ هو أكبر سناً منه أكثر مما يسهل عليه أن ينصف قرينه؛ ذلك لأن أكبر عائق عن الإنصاف التحاسدُ، وحسدُ الإنسانِ لأقرانه أكبر وأشدُّ من حسده للمتقدمين عليه في السن.

    ويسهل عليه أن ينصف أقرانه أكثر مما يسهل عليه أن ينصف من هو أحدثُ سناً منه؛ إذ يسبق إلى ظنه أن ظهورَ مزيةٍ لمن هو أحدث عهداً منه قد تفضي إلى أن يكون ذِكْرُهُ أرفعَ
    .

    وفضلُ القرين على بعض أقرانه شائعٌ أكثر من فضل المتأخر على المتقدم، وشيوع الشيء يجعله أهونَ على النفس مما هو أقل شيوعاً منه.

    فينبغي للإنسان أن يتيقظ للأحوال التي تتقوى فيها داعيةُ العناد، ويعدَّ للوقوف عند حدود الإنصاف، ومقاومة تلك الداعية - ما استطاع من قوة.

    ويقص علينا التاريخ أن في الأساتذة من يحرص على أن يرتقي تلاميذه في العلم إلى الذروة، ولا يجد في نفسه حرجاً من أن يَظْهَرَ عليه أحدُهم في بحث أو محاورة.

    يذكرون أن العلامةَ عبدَ الله الشريفَ التلمسانيَّ كان يحمل كلام الطلبة على أحسن وجوهه، ويبرزه في أحسن صوره.

    ويروى أن أبا عبد الله هذا كان قد تجاذب مع أستاذه أبي زيد بن الإمام الكلامَ في مسألة، وطال البحث اعتراضاً وجواباً حتى ظهر أبو عبد الله على أستاذه أبي زيد، فاعترف له الأستاذ بالإصابة، وأنشد مداعباً:

    أعلمه الرماية كل يوم * فلما اشتد ساعده رماني

    ومن نظر بروية إلى أن فضل العلم من جهة أنه وسيلة إلى إصلاح العمل، وإسعاد البشر، وكان مع هذا النظر ناصحاً لأمته - وقف عند حد الإنصاف، ولم ينحرف عنه إجابةً لداعي الحسد؛ أو انسياقاً مع حب العلو في الأرض ولو بغير حق.

    أخذ رجال بأدب الإسلام؛ فرسخوا في فضيلة الإنصاف على قدر صفاء سرائرهم، واحترامهم لأصول الدين وأحكامه.

    وقد مثل الصحابة - رضي الله عنهم - الإنصاف في أكمل صورة، بدا لعمر ابن الخطاب مرة أن يضع للمهور حداً، فخطب قائلاً: "لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية، فمن زاد ألقيت زيادته في بيت المال".

    فقامت امرأة من صف النساء، فقالت: ما ذاك لك، قال: ولم؟ قالت لأن الله - عز وجل - يقول: [وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً].

    فقال عمر: "امرأة أصابت، ورجل أخطأ".

    ولو كان عمر بن الخطاب - رحمه الله - من أولئك الذين يألمون من أن ينسب إليهم نقصٌ أكثرَ من ألمهم لتحريف آية عن موضعها، أو استبدال خاطر بشري بحكم إلهي - لما عَدِم وجهاً من أمثال تلك الوجوه التي يصورها المخادعون، أو ضعفاء الإيمان؛ تعصباً لآرائهم المخالفة للقرآن.

    اختلف ابن عباس وزيد بن حارثة - رضي الله عنهما - في مسألة من باب الحيض، فقرر ابن عباس حكماً؛ وخالفه زيد، فرأى فيها رأياً آخر، فقال له ابن عباس: سل نسيَّاتك: أم سليمان وصويحباتها، فذهب زيد فسألهن، ثم جاء وهو يضحك، فقال لابن عباس: القول ما قلت.

    وموضع العبرة من هذه القصة أن زيداً تمسك برأيه في مخالفة ابن عباس حتى استبان له أن الحق مع ابن عباس، فلم يجد في نفسه حرجاً من أن يرجع إليه ضاحكاً، ويقول له: القول ما قلت.

    ويروى أن الإمام علي بن أبي طالب - رحمه الله - تكلم في مسألة، فقال له أحد الحاضرين: ليس الأمر كذلك يا أمير المؤمنين، ولكنه كذا وكذا، فقال علي: أصبتَ وأخطأتُ، وفوق كل ذي علم عليم.

    وعشاق الأخلاق الكريمة يجلون الإمامَ علياً لهذا الإنصاف إجلالهم له عندما يفتي، فيصيب الحق، أو يعظ، فينطق بالحكمة.

    وقد اقتدى بالصحابة في هذا الخلق الكريم من جاء بعدهم من كبار العلماء، وهذا الإمام الشافعي - رحمه الله - يقول: "ما ناظرت أحداً على الغلبة، ووددت إذا ناظرت أحداً أن يظهر الحق على يديه".

    والراسخون في فضيلة الإنصاف لا يبالون أن يكون رجوعهم عن الخطأ أمام من خالفهم وحده، أو بمحضر جمع كبير لم يشعروا بالخلاف، ولا بخطأ المخطئ، أو إصابة المصيب
    .

    وها هو ذا التاريخ يحدثنا عن رجال من علماء الإسلام بلغوا هذه الغاية من الإنصاف، قال عبد الرحمن بن مهدي: ذاكرت القاضي عبيد الله بن الحسين في حديث وهو يومئذ قاض، فخالفني فيه، فدخلت عليه بعد وعنده الناس سماطين(3)، فقال لي: ذلك الحديث كما قلت أنت؛ وأرجع أنا صاغراً.

    فعبيد الله بن الحسين قد أحسن إلى نفسه؛ إذ أخذها بفضيلة الإنصاف، وأحسن إلى الناس؛ إذ علمهم كيف يعترفون بالخطأ إذا أخطأوا، ولا يتلبثون في الرجوع إلى الحق ولو عظمت مناصبهم، وعلت أقدارهم.

    العناد قبيح، ويشتد هذا القبح بمقدار ظهور الحجة على الرأي الذي تحاول رَدَّه على صاحبه؛ فمتى كانت الحجةُ أظهرَ كان العنادُ أقبحَ، والإنصافُ جميلٌ ويكون جمالُه أوضحَ وأجلى حيث يكون في حجة الرأي الصائب شيءٌ من الخفاء، وحيث يُمْكِنُك أن تتحيز لرأيك، وتهيئ كثيراً من الأذهان لقبوله.

    وقد ينقل التاريخُ شذراتٍ من حوادث المنصفين لمن خالفهم في أمر، أو المعترفين لبعض خصومهم بفضيلة؛ فتهتز في نفوس قرائها عاطفة احترام لمن أقر بالخطأ، أو اعترف لخصمه بخصلة حمد، وربما كان إكبارهم لمن أقر بالخطأ فوق إكبارهم لمن خالفه في الرأي فأصاب، وربما كان إكبارهم لمن شهد لخصمه بمكرمة فوق إكبارهم للشخص المشهود له بتلك المكرمة.

    وسببُ هذا الإكبارِ عظمةُ الإنصافِ، وعِزَّةُ مَنْ يأخذ نفسه بها في كل حال.

    قال ابن وهب: سمعت مالك بن أنس يقول: ما في زماننا شيء أقل من الإنصاف.

    وإذا لم ينصفك الرجل، فرد عليك الحق بالشمال واليمين، أو جحد جانباً من فضلك وهو يراه رأي العين - فلا تكن قلةُ إنصافِه حاملةً لك على أن تقابله بالعناد، فترد عليه حقاً، أو تجحد له فضلاً، واحترس من أن تسري لك من خصومك عدوى هذا الخلق الممقوت، فَيَلِجَ في نفسك، وينشط له لسانك أو قلمك، وأنت تحسبه من محاربة الخصوم بمثل سلاحهم.

    كلا، لا يحارب الرجل خصومه المبطلين بمثل الاعتصام بالفضيلة، ولا سيما فضيلة كفضيلة الإنصاف تدل على نفس مطمئنة، ونظر في العواقب بعيد.

    ومن وجد في خصمه فضائل حصر محاربتَه في الأمر الذي هو منشأ الخصومة؛ وترك تلك الفضائل قارَّةً في مكانها، باديةً لمن أراد أن يقتدي بها.

    وإذا كان الإنصافُ فضيلةً ترتفع بها أقدارُ الرجال، وتتسع بها دوائرُ العلوم، وتصفو بها مواردُ الآداب، ويشتد بها حبلُ الاتحاد، وينتظم بها شأنُ الاجتماع - كان من واجب أولياء الأطفال، وأساتذة الأخلاق، ودعاة الإصلاح أن يجعلوا له من تربيتهم، وتعليمهم، ودعوتهم نصيباً يكفي لأن نرى أنديتنا ومؤلفاتنا وصحفنا نقيةً من إنكار الحق، بريئة من جحود الفضل.

العقيدة والأخلاق

  • بسم الله الرحمن الرحيم

    الإيمان كلمة شاملة لكل ما يحبه الله ويرضاه، فكما أن الإيمان يشمل العقيدة والتوحيد كذلك هو يشمل الأخلاق والسلوك، وقد وجد مفهوم خاطىء عند كثير من الناس في هذه الأيام حيث يعتقدون بأن هناك انفصاماً نكداً بين الأخلاق والعقيدة، فالعقيدة شيء والأخلاق شيء آخر.
    ولإيضاح هذه القضية نقول إن الآيات والأحاديث النبوية طافحة بذكر الارتباط الوثيق بين العقيدة والأخلاق، ولنأخذ على ذلك أمثلة:
    قوله تعالى: ((قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين))، وقوله ((وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر))، وقوله ((فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون))، وقوله ((خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها)).
    ولقد ربط الإسلام بين الإيمان والسلوك ربطاً قوياً، فقد ورد في الحديث الصحيح (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)، وورد عند الحاكم وهو حديث صحيح (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم أخلاقاً).
    وجعل معاملة الجار وعدم أذيته من الإيمان فقال: (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: من يا رسول الله؟ قال: من لا يأمن جاره بوائقه) وحديث: (ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وحج واعتمر، وقال: إني مسلم، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)، وورد في الحديث: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه).
    وقد رتب شرعنا المطهر العقوبات الربانية على معاملة الآخرين معاملة سيئة، فقال: (أتدرون من المفلس؟) قالوا: المفلس فينا من لا درهم عنده ولا متاع، فقال: (لا، المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار) رواه مسلم.
    من هذه النصوص وهي جزء من نصوص كثيرة جداً يتبين مدى اهتمام الإسلام بالأخلاق، وحثه على التحلي بالصفات الحميدة، والأخلاق السامية، وهذا يدل على أن الأخلاق هي من صميم الدين والإيمان.
    ولعل سائلاً يسأل: كان في الجاهلية أخلاق عظيمة مع كون أهلها كفاراً فهذا دليل على عدم ارتباط الأخلاق بالعقيدة؟

    فنقول بأن العرب كانت تتحلى بتلك الصفات العظيمة كالشجاعة والنجدة، والكرم والوفاء بالعهد وغيرها.. ولكن كان ذلك لأجل مصالحهم المادية والفردية حتى لا يوصموا بالعار، أو بالصفات الذميمة منها، وهكذا نقول أيضاً في جاهلية القرن العشرين في الغرب وغيره. المعاملة الطيبة عندهم مرهونة بالمنفعة والمصلحة الشخصية، لذلك تجد نظريات كبارهم تقول: بأن الغاية تبرر الوسيلة، ويقولون: أن السعادة هي في إشباع الذات، والدوافع العاجلة؛ لأن خيرها مؤدي إلى الشعور بالحرمان بالكلية، ويقولون: إن الإنسان قد اختراع المبادئ الأخلاقية ليتخذها وسيلة يحقق بها منفعته الشخصية، وقالوا: إن المثل الأخلاقية كلها راجعة إلى نتائج الظروف الواقعية للإنسان فهي أخلاق ليست ثابتة.
    هذه نظرياتهم إخواني في الله، فهل بعد هذا نأخذ منهم أخلاقنا ومبادئنا، وهل نجعلهم قدوتنا ومثلنا الأعلى؟!! لا والله إن المؤمن الحق هو الذي لا يصدق أولئك المزيفون أخلاقياً، بل يتجه نحو السيرة العطرة الزكية، سيرة سيد البشرية محمد بن عبد الله - عليه الصلاة والسلام - فيتلقى عنها عقيدته ودينه وسلوكه وأخلاقه.
    وهناك أمر خطير جداً، ألا وهو أن مشابهة الكفار في أخلاقهم وسلوكهم تؤدي إلى مشابهتهم في عقيدتهم ومنهجهم، وهذا ما نراه واقعاً
    !
    فكم من إنسان انخدع بهم في سلوكهم فإذا هو يتشرب من دينهم الباطل فيتحول إلى نصراني أو ملحد أو مرتد عن دينه، وهذا مصداق لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل) وحديث (المرء مع من أحب)، (ومن تشبه بقوم فهو منهم).
    وفق الله الجميع لمرضاته، والسير على منهجه ودينه.

هجمة مرتدة

  • بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله ....


    يَعرِف أهل الرياضة خطورة الهجمات المرتدّة !
    وذلك أن الفريق الذي رَجَعَتْ عليه الهجمة كان في غير مواقعه ، أو كان غافِلاً فإذا ما رَجَعت الهجمة من الخصم – وكان هناك من ترك موقعه ، وأغْفَل مركزه ، وفتح خانة – كانت الهزيمة !
    وهذا يعني أن اليقظة مطلوبة ، مع الحرص والحذر من ترك ثغرات يستغلها الخصم .وقُـل مثل ذلك في الحروب والقتال ، فإذا تَرَك المقاتِل ثغرة استغلّها عدوّه ، وإذا فُتِحت خانات ، أو لم تُغلق المنافذ هجم العدوّ منها فربما أصاب مقتل ، ومثل ذلك في عالم الأجهزة والشبكات ، فمن ترك المنافذ مفتوحة ربما هوجِم بالفيروسات ، وقد ينتج عن هذه الغفلة تدمير الجهاز ، وابن آدم لديه ثغرات ، وعليه أن يسدّ جميع الخانات ، وأن يُغلِق كل المنافذ ، تلك المنافذ التي ينفذ منها العدو إلى الحصن الحصين ، ويصِل فيها العدو إلى الْمَلِك ، فينال منه ، أعني ملك الأعضاء ، وهو القلب ، فمتى غَفَل ابن آدم هجم عليه عدوّه المتربِّص به في آناء الليل وآناء النهار ، عدوّ يدخل مع ابن آدم كل مَدْخَل ، بل يجري منه مجرى الدمّ ، بل هو العدو المبين الذي قال عنه رب العالمين : (إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) ، وقد أخبر الله ، وأمَرَ وعَلَّلَ ، فقال رب العزة سبحانه : (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ).
    فهو يسعى سعياً حثيثا دؤوباً على تلمّس الثّغرات في قلب ابن آدم ، فحيثما وجَدَ ثغرة دَخَلَ منها ونَفَذَ ، وتسوّر حِصْن القلب .
    فالغَضَب ثغرة ، ولذا قال عليه الصلاة والسلام : " إن الغضب من الشيطان ، وإن الشيطان خُلِق من النار ، وإنما تطفأ النار بالماء ، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ ". رواه الإمام أحمد وأبو داود .
    والغفلة ثغرة ، ولذا قال ابن عباس في قوله : ( الوسواس الخناس ) قال : الشيطان جَاثِمٌ على قلب ابن آدم ، فإذا سها وغفل وسوس ، وإذا ذكر الله خَنَس
    .
    فهو مُتربِّص بك الدوائر ، مُبتغٍ لك الغوائل ! والذنوب ثغرات ، قال الشيطان : وعِزّتك يا رب لا أبرح أُغْوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم ، فقال الرب تبارك وتعالى : وعِزَّتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني . رواه الحاكم وغيره وهو حديث صحيح .
    قال ابن القيم : الشيطان يَشُمّ قلب العبد ويَخْتَبِرَه . اهـ .
    فإن الشيطان يشم القلوب وينظر في مداخلها ويتحسس ثغراتها ومناطق ضعفها . فلكل قلب ثغرة ، ولكل شخص – غالباً – شهوة ، يَضعُف أمامها ، فتزيد الحاجة إلى قوّة المدافَعَة ، وإلى شدّة الحرص ، وإلى مزيد من اليَقَظَـة .
    فاحرص رعاك الله على إغلاق المنافذ حتى لا يدخل فيروس الشيطان ! ، وعلى اليقظة والحرص حتى لا يكون لهجماته المرتدّة أثَــر ، فاجعل الذِّكْر حارَس قلبِك ، حتى يَخنس إبليس ويَضْعف ، ولا يوسوس . واجعل الاستغفار الضربة القاضية على إبليس ، حيث أخبَر أنه أهلكه الاستغفار ، كما في بعض الآثار .
    واجعل السجود فَـرَح قلبِك بالانتصار ، وبُـكـاء إبليس بالهزيمة والفِرار !
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا قرأ ابن آدم السجدة فَسَجَدَ ، اعتزل الشيطان يبكي ، يقول : يا ويله - وفي رواية : يا ويلي – أَمِـرَ ابن آدم بالسجود فَسَجَدَ ، فَلَهُ الجنة ، وأمِـرْت بالسجود فَأَبَيْتُ ، فَلِي النار " . رواه مسلم
    .
    فتذكّر أن خُسران هذه الجَولَة وانتصار الشيطان يعني الخُسران المبِينوأن انتصارك على الشيطان مآله رِفعة الدّرَجات ، واعلم أن الشيطان لا ييأس ، بل لديه صبر وجَلَد ، فهو يُحاول الفوز والانتصار على بني آدم حتى تَخرج أرواحهم من أجسادهم .
    وتذكّر أخيرا – حفظك الله – أن موسم الخيرات على الأبواب ، فلتكن الجولة فيه لك لا لعدوِّك . وليكن الفوز من نصيبك لا من نصيب إبليس .. عِــدْ نفسك أن يكون هذا الشهر هو وداع المعاصي ، وهو نهاية المطاف في السَّير في رَكْب إبليس !
    والله يتولاّك ....

فن معالجة أخطاء الآخرين واستيعابهم .. لمن أراد سلامة صدره

  • بسم الله الرحمن الرحيم
    أولاً: كن نقيا (الإخلاص) عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله: {ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن: إخلاص العمل، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين فإن دعوتهم تحيط من ورائهم} [رواه أحمد وابن ماجه]. ومن علامات الإخلاص ألا يترك ثغرا من ثغور الدعوة سواء أكان خطابة أو منتدى أو درسا لنقد الناس له أو إهانتهم إياه لأنه يعمل لله فلا ينتظر الشكر من الناس.

    ثانياً: كن راضيا عن الله قال ابن القيم - رحمه الله - في الرضا: (إنه يفتح للعبد باب السلامة، فيجعل قلبه نقياً من الغش والدغل والغل، ولا ينجو من عذاب الله إلا من أتى الله بقلب سليم، كذلك وتستحيل سلامة القلب مع السخط وعدم الرضا، وكلما كان العبد أشد رضاً كان قلبه أسلم، فالخبث والدغل والغش: قرين السخط، وسلامة القلب وبره ونصحه: قرين الرضا، وكذلك الحسد هو من ثمرات السخط، وسلامة القلب منه من ثمرات الرضا).

    ثالثا: كن مستعدا للسؤال أو الكرامة انتظر السؤال والحساب يوم القيامة يا من تُؤذي المسلمين بالحقد والحسد والغيبة والنميمة والإستهزاء وغيرها. أما من عفا... فانتظر الكرامة من الله يوم ينادى المنادى من كان أجره على الله فليقم فيقوم كل من عفا عن أخيه في الدنيا الإمام أحمد يدعو ويقول" اللهم إني قد جعلت كل من آذاني في حل إلا صاحب بدعة" فيدهش بعض طلبته لذلك، فيقول أحمد: وما ينفعك أن يعذب أخوك بسببك!!!

    رابعا: كن كالنحلة النحلة لا تقع إلا على كل طيب وتترك كل خبيث قال - تعالى -: ((وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم. )) عند الصينين مثل يقول: نقطة عسل تصيد من الذباب ما لا يصيده برميل من العلقم!! قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه رواه الترمذي
    لا خيل عندك تهديها ولا مال *** فليسعد النطق إن لم يسعد الحال. عمر بن عبد العزيز - رحمه الله -، يختار جلاسه اختياراً، ويشترط عليهم شروطاً، فكان من شروطه: ألا تغتابوا، ولا تعيبوا أحداً في مجلسي حتى تنصرفوا. السَّهل أسهلُ مسلكاً *** فدع الطريق الأوعَرا
    واحفظ لسانك تسترح *** فلقد كفى ما قد جرى
    سمع يوماً أحد جلاسه يسبّ الحجاج بعد وفاته، فأقبل مغضباً، وقال: صهٍ يا بن أخي! فقد مضى الحجاج إلى ربه، وإنك حين تقدم على الله ستجد أن أحقر ذنب ارتكبته في الدنيا أشد على نفسك من أعظم ذنب اجترحه الحجاج، ولكل منكما - يومئذ - شأن يغنيه، واعلم يا بن أخي! أن الله - عز وجل - سوف يقتص من الحجاج لمن ظلمهم، كما سيقتص للحجاج ممن ظلموه، فلا تشغلن نفسك بعد اليوم بعيب أحد، ولا تتبع عثرات أحد:
    ومن يتبع جاهداً كل عثرةٍ *** يجدْها ولا يسلم له الدهر صاحبُ

    يا عائب الناس وهو معيب! اتق الله، أعراض المسلمين حفرة من حفر النار، وخواص المسلمين هم العلماء، والوقيعة فيهم عظيمة جد عظيمة، لحومهم مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، ومن أطلق لسانه في العلماء بالسب بلاه الله قبل موته بموت القلب:
    وكم من عائبٍ قولا صحيحاً *** وآفته من الفَهم السقيم
    فإن عبت قوماً بالذي فيك مثْلُه *** فكيف يعيبُ الناسُ من هو أعورُ؟
    وإن عبت قوماً بالذي ليس فيهمُ *** فذلك عند اللهِ والناس أكبرُ
    لا تكن كالذباب لا يقع إلا على الجروح والقاذورات
    شر الورى من بعيب الناس مشتغلًا ***مثل الذباب يراعى موضع العلل

    خامسا: كن كالطبيب ((فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله)) فنحن دعاة خير كالطبيب الذي يعالج الناس لا يوبخهم لمرضهم ولا يصرخ فيهم بل يرفق بهم فحرى بمن يعالج المرضى ألا يكون مريضا فيكون حاله كطبيب يداوى الناس وهو سقيم قال - صلى الله عليه وسلم - والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه} [رواه البخاري ومسلم]. عموم الناس لا يحبون المخاطبة من علو يكرهون الأستاذية عليهم
    إذا صاحبت قوماً أهل فضل ***فكن لهموا كذي الرحم الشفيق
    ولا تأخذ بزلة كل قوم *** فتبقى في الزمان بلا رفيق

    سادسا: كن كالنخيل تسمو بنفسك عاليا في السماء أن تستمع لغيبة أو نميمة قال- صلى الله عليه وسلم -: "لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئاً، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر} [رواه أحمد والكثير اليوم يلقي بكلمة أو كلمتين توغر الصدور خاصة المنتديات الحوارية و مجتمع النساء
    كن كالنخيل عن الأحقاد مرتفعاً *** بالطوبِ يُرمى فيرمي أطيب الثمر ِ


    سابعا: وأعرض عن الجاهلين روى البخاري من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير في قوله: ((خذ العفو وأمر بالعرف)) قال: " ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس " وقال جعفر الصادق: "أمر الله نبيه بمكارم الأخلاق في هذه الآية، وليس في القرآن أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية " قال القرطبي في تفسيره: " لما نزل قول الله ((خذ العفو)) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " كيف يا رب والغضب فنزلت: ((وإما ينزغنك من الشيطان نزغ)) قال أبو بكر بن العربي: " قال علماؤنا: هذه الآية من ثلاث كلمات، قد تضمنت قواعد الشريعة المأمورات والمنهيات، حتى لم يبق فيه حسنة إلا أوضحتها، ولا فضيلة إلا شرحتها، ولا أكرومة إلا افتتحتها، وأخذت الكلمات الثلاث أقسام الإسلام الثلاثة، فقوله: ((خذ العفو)) تولى جانب اللين، ونفي الحرج في الأخذ والإعطاء والتكليف. وقوله: ((وأمر بالعرف))تناول جميع المأمورات والمنهيات، وأنهما ما عرف حكمه، واستقر في الشريعة موضعه، واتفقت القلوب على عمله، وقوله: ((وأعرض عن الجاهلين)) تناول جانب الصفح بالصبر الذي به يتأتى للعبد كل مراد في نفسه وغيره، ولو شرحنا ذلك على التفصيل لكان أسفارا ".

    ثامنا: التمس الأعذار وأزل الغشاوة عن عيني المخطئ.! حين ترى الخطأ.. لا تتشنج.. أو تنقلب حماليق عينك، أو يتعكر صفو مزاجك.. تمهل قد يكون المخطئ غطت على عينيه غشاوة الخطأ أو المعصية.. فلا تستعجل في ذم أو تقبيح.. بل ابذل جهدك في إزالة الغشاوة عن عين المخطئ.. يدخل شاب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أصحابه وهو يقول: يا رسول الله ائذن ليفي الزنا!! استر يا رب.. !!! يريد الزنا.. ويريده حلالا بإذن رسول الله تعالى له.. !! حتى قال أحد الصحابة: دعني أضرب عنقه!! ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يعدو عن أن تبسم وقرّب الفتى إليه وقال له: " أترضاه لأمك؟! أترضاه لأختك؟! والفتى في كل جواب يقول: لا جعلني الله فداك فقال - صلى الله عليه وسلم - " فكذلك الناس لا يرضونه لأمهاتهم وأخواتهم " ثم وضع يده الشريفة على صدره ودعا له قائلا: اللهم اهد قلبه وأحصن فرجه" فيقول الشاب والله ما نزع النبي يده من على صدري حتى كان الزنى أبغض شيء إلى نفسي" بأبي وأمي أنت يا رسول الله.. ما أشد حلمك مع شدة حرصك وتسلّط السفهاء عليك..

    تاسعا: ضع نفسك موضع المخطئ.. ثم ضع حلا!
    لا تقل عن عمل ذا ناقص ***جئ بأوفى ثم قل ذا أكمل
    لا يكفي أن تنتقد وتعاتب.. بل لابد مع العتاب بلسماً وحلا.. وانظر كيف أن منهج القرآن ليس هو الزجر دون بيان طريق النصر والظفر.. قال - تعالى -: " وأحل الله البيع وحرم الربا " ويأمر عباده المؤمنين بغض الأبصار عن الحرمات ثم يعقّب بالحث على الزواج من المؤمنات فبدل أن تعاتب، ولو سمت عبارتك.. أردفها بحل.. أو فكرة! " يا غلام.. سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك. "!! اجعل المخطئ يكتشف خطأه ويحله بنفسه
    ** يُذكر أن رجلاً من الهند كان يعادي إمام الدعوة محمد بن عبد الوهاب عداء شديداً، ويحارب كتبه ومؤلفاته ويحذر منها.. فاحتال أحد الفضلاء فغيّر بها اسم الشيخ من: محمد بن عبد الوهاب، إلى: محمد بن سليمان التميمي.. وأهدى جملة كتب الشيخ لهذا العالم الهندي فلمّا قرأها أعجب بها، ووجدت في قلبه قبولا وأثرا حسناً.. فأعلمه هذه الحكيم أن هذه الكتب من مؤلفات إمام الدعوة محمد بن عبد الوهاب
    .. فما كان من هذا العالم الهندي إلا أن جثى على ركبتيه من البكاء والحسرة والألم على ما كان منه من عداء للإمام.. وصار من أكثر الناس دعوة وتوزيعا ونشرا لكتب إمام الدعوة في محيطه. استفسر عن الخطأ مع إحسان الظن والتثبت! إنك بهذا تشعره بالإحترام والتقدير.. كأن تقول: زعموا أنك فعلت!! واسمع لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يخطب في الأنصار بقوله: " يا معشر الأنصار ما مقالة بلغتني عنكم؟! " ألم آتكم ضلالا فهداكم الله وعالة فأغناكم الله وأعداء فألف الله بين قلوبكم قالوا بل الله ورسوله أمن وأفضل قال ألا تجيبونني يا معشر الأنصار قالوا وبماذا نجيبك يا رسول الله ولله ولرسوله المن والفضل قال أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم وصدقتم أتيتنا مكذبا فصدقناك ومخذولا فنصرناك وطريدا فآويناك وعائلا فأغنيناك أوجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعون برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رحالكم فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار ولو سلك الناس شعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار قال فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا رضينا برسول الله قسما وحظا ثم انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتفرقنا) رواه الإمام أحمد فلا تعاتب.. قبل أن تستفسر عن الخطأ.. لعل له عذرا.. أو مخرجاً. عاشرا: ترويض النفس وإنما الحلم بالتحلم والأدب بالتأدب
    وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى *** فإن شاء علاها وإن شاء سفّلا
    فعود نفسك الخير وأحسن إلى الناس القول وأحسن بهم الظن فإن رأت نفسك منهم شرا فقل:
    للناس أعين لسانك لا تذكر به عورة امرئ *** فكلك عورات وللناس أعين
    وعينك إن أبدت إليك مساوئا *** فصنها وقل يا عين للناس أعين
    روض نفسك على شكر الناس والثناء علي أفعالهم الطيب وانظر لذلك الذي طوّع السبع المفترس في باحات العروض.. كيف روّضه وهو السبع الذي لا يعقل ولا يفهم.. كل ذلك بمدح القليل والتشجيع عليه.. امدح على قليل الصواب يكثر من الممدوح الصواب.. ! اقرأ في هذا الأثر في عتابه - صلى الله عليه وسلم - لعبدالله بن عمر بقوله: " نعم الرجل عبدالله لوكان يقوم من الليل.. "! فما ترك ابن عمر قيام الليل بعدها!! يا لله.. ما أعظمك يا رسول الله، وما أعظم أدبك وسمو نفسك ورفعتها!!!..
    هبني أسأت كما زعمت *** فأين عاطفة الأخـــــــوة
    أو إن أسأتَ كما أسأتُ *** فأين فضلك والمروّ
    ة؟!

    الحادى عشر: الدعاء فيدعو العبد ربه دائماً أن يرزق قلبه سليماً لإخوانه، وأن يدعوا لهم أيضاً، فهذا دأب الصالحين، قال - تعالى -: {وَالذِّينَ جَآءُو مِن بَعدِهِم يَقُولُونَ رَبَنَا اغفِر لَنَا وَلإخوَانِنَا الّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلاَ تَجعَل في قُلُوبِنَا غِلاً لِلّذِينَ ءَامَنُوا رَبَنَا إنّكَ رَءُوفٌ رّحِيم} [الحشر: 10] ومن دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -: اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدى لأحسنها إلا أنت" "اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي". فاللهم ألف بين قلوبنا ووحد بين كلمتنا واجمعنا على قلب رجل واحد ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا.