الثلاثاء، 28 يوليو 2009

) الصحابة ( العباس بن عبد المطلب


العباس بن عبد المطلب
العباس (أبو الفضل) عم رسـول الله -صلى اللـه عليه وسلم-، يفصل بينهما سنتيـن أو ثلاث تزيد في عمر العباس عن عمر الرسول، فكانت القرابة والصداقة بينهما، إلى جانب خُلق العباس وسجاياه التي أحبها الرسول الكريم، فقد كان وَصولاً للرحم والأهل، لا يَضِنُّ عليهما بجهد ولا مال، وكان فَطِناً الى حد الدهاء وله مكانا رفيعا في قريش...
إسلامه
العباس -رضي الله عنه- لم يعلن إسلامه إلا عام الفتح، مما جعل بعض المؤرخين يعدونه ممن تأخر إسلامهم، بيد أن روايات أخرى من التاريخ تنبيء أنه كان من المسلمين الأوائل ولكن كتم إسلامه، فيقول أبو رافع خادم الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (كنت غلاماً للعباس بن عبد المطلب، وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت، فأسلم العباس، وأسلمت أمُّ الفضل، وأَسْلَمْتُ، وكان العباس يكتم إسلامه)...
فكان العباس إذا مسلماً قبل غزوة بدر، وكان مقامه بمكة بعد هجرة الرسول -صلى الله عليه وسلم-وصحبه خُطَّة أدت غايتها على خير نسق، وكانت قريش دوما تشك في نوايا العباس، ولكنها لم تجد عليه سبيلا وظاهره على مايرضون من منهج ودين، كما ذُكِرَ أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد أمر العباس بالبقاء في مكة: (إن مُقامك مُجاهَدٌ حَسَنٌ)... فأقام بأمر الرسول -صلى الله عليه وسلم-...
بيعة العقبة
في بيعة العقبة الثانية عندما قدم مكة في موسم الحج وفد الأنصار، ثلاثة وسبعون رجلا وسيدتان، ليعطوا الله ورسوله بيعتهم، وليتفقوا مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- على الهجرة الى المدينة، أنهى الرسول -صلى الله عليه وسلم- نبأ هذا الوفد الى عمه العباس فقد كان يثق بعمه في رأيه كله.
فلما اجتمعوا كان العباس أول المتحدثين فقال: (يا معشر الخزرج، إن محمدا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا، ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عز من قومه، ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلا الإنحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده)... وكان العباس يلقـي بكلماتـه وعيناه تحدقـان في وجـوه الأنصار وترصـد ردود فعلهم...
كما تابع الحديث بذكاء فقال: (صفوا لي الحـرب، كيف تقاتلون عدوكم ؟)... فهو يعلم أن الحرب قادمة لا محالة بين الإسلام والشرك، فأراد أن يعلم هل سيصمد الأنصار حين تقوم الحرب، وأجابه على الفور عبد الله بن عمرو بن حرام: (نحن والله أهل الحرب، غُذينا بها ومُرِنّا عليها، وورِثناها عن آبائنا كابرا فكابرا، نرمي بالنبل حتى تفنى، ثم نطاعن بالرماح حتى تُكسَر، ثم نمشي بالسيوف فنُضارب بها حتى يموت الأعجل منا أو من عدونا)...
وأجاب العباس: (أنتم أصحاب حرب إذن، فهل فيكم دروع ؟)... قالوا: (نعم، لدينا دروع شاملة)... ثم دار الحديث الرائع مع رسول الله والأنصار كما نعلم من تفاصيل البيعة...
وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يذكُر بالمدينة ليلة العقبة فيقول: (أيِّدتُ تلك الليلة، بعمّي العبّاس، وكان يأخذ على القومِ ويُعطيهم)...
غزوة بدر
وفي غزوة بدر رأت قريش الفرصة سانحة لإختبار العباس وصدق نواياه، فدفعته الى معركة لا يؤمن بها ولا يريدها، والتقى الجمعان ببدر وحمي القتال، ونادى الرسول -صلى الله عليه وسلم- أصحابه قائلا: (إني عرفت أن رجالا من بني هاشم وغيرهم قد أخْرِجوا كرهاً، لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم فلا يقتله ومن لقي أبا البَخْتَري بن هشام بن الحارث بن أسد فلا يقتله، ومن لقي العباس بن عبد المطلب فلا يقتله فإنه إنما أخرج مستكرها)...
فقال أبو حذيفة: (أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخوتنا وعشيرتنا ونترك العباس، والله لئن لقيته لألحمنّه السيف)...
فبلغ ذلك الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقال لعمر بن الخطاب: (يا أبا حفص، أيضرب وجه عم رسول الله بالسيف ؟)... فقال عمر: (يا رسول الله دعني فلأضرب عنقه بالسيف فوالله لقد نافق)... فكان أبو حذيفة يقول: (ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ، ولا أزال منها خائفا إلا ان تكفرّها عني الشهادة)... فقتل يوم اليمامة شهيدا...

الأسر
قال أبو اليسر: نظرتُ إلى العباس بن عبد المطلب يوم بدرٍ وهو قائم كأنه صنم، وعيناه تذرفان، فلمّا نظرت إليه قلت: (جزاك الله من ذي رحمٍ شرّاً، أتقاتل ابن أخيك مع عـدوّه)... قال: (ما فعل ؟ وهل أصابه القتـل ؟)... قلت: (اللـه أعزُّ له وأنصـر من ذلك)... قال: (ما تريد إلي ؟)... قلت: (إسار، فإنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن قتلك)... قال: (ليستْ بأول صلته)... فأسرتَهُ ثم جئتُ به إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-...
فقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (كيفَ أسرتَه يا أبا اليسر ؟)... قال: (لقد أعانني عليه رجلٌ ما رأيته بعدُ ولا قبلُ، هيئته كذا وهيئته كذا)... فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لقد أعانك عليه مَلَكٌ كريم)...
كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يحب عمه العباس كثيرا، حتى أنه لم ينم حين أسِرَ العباس في بدر، وحين سُئِل عن سبب أرقه أجاب: (سمعت أنين العباس في وثاقه)...
فأسرع أحد المسلمين الى الأسرى وحلّ وثاق العباس وعاد فأخبر الرسول -صلى الله عليه وسلم- قائلا: (يا رسول الله إني أرخيت من وثاق العباس شيئا)... هنالك قال الرسول لصاحبه: (اذهب فافعل ذلك بالأسرى جميعا)... فحب الرسول للعباس لن يميزه على غيره...
الفداء
وحين تقرر أخذ الفدية، قال العباس: (يا رسول الله، إني كنت مسلما، ولكن القوم استكرهوني)... فقال الرسول -صلى الله عليه وسلم- للعباس: (الله أعلم بإسلامك، فإن يكُ كما تقول فالله يجزيك بذلك، فأمّا ظاهر أمرك فقد كنتَ علينا، فافد نفسك وابني أخيك، نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وعقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب، وحليفك عتبة بن عمرو بن جَحْدم أخو بني الحارث بن فهر)... قال: (ما ذاك عندي يا رسـول اللـه)...
قال: (فأين المال الذي دفنتَ أنتَ وأم الفضل، فقلت لها: إن أصبت في سفري هذا فهذا المالُ لبنيّ: الفضل وعبدالله وقُثْم)... فقال: (والله يا رسول الله أنّي لأعلم إنك رسول الله، وإن هذا لشيءٌ ما علمه أحد غيري وغير أم الفضل، فاحسب لي يا رسول الله ما أصبتم مني عشرين أوقية من مال كان معي)... فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ذاك شيءٌ أعطاناه الله منك)... ففدى نفسه وابني أخويه وحليفه، ونزل القرآن بذلك...
قال تعالى: (يا أيُّها النّبيُّ قُـلْ لِمَن في أيْديكُمْ مِنَ الأسْرَى إن يَعْلَمِ اللّهُ في قلوبكم خيراً يُؤْتِكُمْ خيراً ممّا أُخِذَ منكم ويغفرْ لكم واللّهُ غَفورٌ رحيمٌ)... سورة الأنفال آية (7)...
قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (وَفّيْتَ فوفّى الله لك)... وذلك أنّ الإيمان كان في قلبه، وقال العبّاس فأعطاني الله تعالى مكان العشرين الأوقية في الإسلام عشرين عبداً، كلهم في يده مالٌ يضرب به، مع ما أرجو من مغفرة الله تعالى)...
وهكذا فدا العباس نفسه ومن معه وعاد الى مكة، ولم تخدعه قريش بعد ذلك أبدا... وبعد حين جمع ماله ومتاعه وأدرك الرسول الكريم بخيبر، وأخذ مكانه بين المسلميـن وصار موضع حبهم وإجلالهم، لاسيما وهم يرون حب الرسـول له وقوله: (إنما العباس صِنْوُ أبي... فمن آذى العباس فقـد آذاني)... وأنجب العباس ذرية مباركة وكان (حبر الأمة) عبد الله بن العباس أحد هؤلاء الأبناء...
يوم حنين
حين كان المسلمون مجتمعين في أحد الأودية ينتظرون مجيء عدوهم، كان المشركون قد سبقوهم الى الوادي وكمنوا لهم في شعابه ممسكين زمام الأمور بأيديهم، وعلى حين غفلة انقضوا على المسلمين في مفاجأة مذهلة جعلتهم يهرعون بعيدا، ورأى الرسول -صلى الله عليه وسلم- ما أحدثه الهجوم المفاجيء فعلا صهوة بغلته البيضاء وصاح: (إلي أيها الناس، هلمّوا إلي، أنا النبي لا كذِب، أنا ابن عبد المطلب)...
ولم يكن حول الرسول -صلى الله عليه وسلم- يومئذ إلا أبو بكر ،وعمر ،وعلي بن أبي طالب ،والعباس بن عبد المطلب ،وولده الفضل بن العباس ،وجعفر بن الحارث ،وربيعة بن الحارث، وأسامة بن زيد ،وأيمن بن عبيد ،وقلة أخرى من الصحابة ،وسيدة أخذت مكانا عاليا بين الأبطال هي أم سليم بنت مِلْحان وكانت حاملا انتهت الى الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقالت: (اقتل هؤلاء الذين ينهزمون
عنك، كما تقتل الذين يقاتلونك، فإنهم لذلك أهل)...
هناك كان العباس الى جوار النبي -صلى الله عليه وسلم- يتحدى الموت والخطر، أمره الرسول أن يصرخ في الناس فصرخ بصوته الجهوري: (يا معشر الأنصار، يا أصحاب البيعة)... فأجابوه: (لبيك، لبيك)... وانقلوا عائدين كالإعصار صوب العباس، ودارت المعركة من جديد وغلبت خيل الله، وتدحرج قتلى هَوَازن وثقيف...
فضله
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إن الله تعالى اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، فمنزلي ومنزل إبراهيم في الجنة، يوم القيامة، تجاهَيْن والعبّاس بيننا مؤمن بين خليلين)... وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أيّها الناس، أيُّ أهل الأرض أكرم على الله ؟)... قالوا: (أنت)... قال: (فإن العبّاس مني وأنا منه، لا تسبّوا موتانا فتؤذوا أحياءنا)...
قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- للعبّاس: (لا ترمِ منزلك وبنوك غداً حتى آتيكم، فإن لي فيكم حاجة)... فانتظروه حتى بعد ما أضحى، فدخل عليهم فقال: (السلام عليكم)... قالوا: (وعليكم السلام ورحمـة اللـه وبركاته)... قال: (كيف أصبحتـم ؟)... قالوا: (بخير نحمد اللـه)... قال: (تقاربوا يزحف بعضكم إلى بعض)...
حتى إذا أمكنوه اشتمل عليهم بملاءته فقال: (يا ربّ، هذا عمّي وصِنْوُ أبي وهؤلاء أهل بيتي، فاسترهم من النار كستري إيّاهم بملاءتي هذه)... فأمّنت أسكفةُ الباب وحوائط البيت فقالت: (آمين آمين آمين!)...
عام الرمادة
في عام الرمادة حين أصاب العباد قحط، خرج أمير المؤمنين عمر والمسلمون معه الى الفضاء الرحب يصلون صلاة الاستسقاء، ويضرعون الى الله أن يرسل إليهم الغيث والمطر، ووقف عمر وقد أمسك يمين العباس بيمينه، ورفعها صوب السماء وقال: (اللهم إنا كنا نستسقي بنبيك وهو بيننا، اللهم وإنا اليوم نستسقي بعمِّ نبيك، فاسقنا)...
ولم يغادر المسلمون مكانهم حتى جاءهم الغيث، وهطل المطر، وأقبل الأصحاب على العباس يعانقونه و يقبلونه ويقولون: (هنيئا لك... ساقي الحرمين)...
وفاته
وفي يوم الجمعة (14 / رجب / 32 للهجرة) سمع أهل العوالي بالمدينة مناديا ينادي: (رحم الله من شهد العباس بن عبد المطلب)... فأدركوا أن العباس قد مات، وخرج الناس لتشييعه في أعداد هائلة لم تعهد المدينة مثلها، وصلى عليه خليفة المسلمين عثمان بن عفان، ووري الثرى في البقيع...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

السلام عليكم ضع تعليقك وأترك بصمتك علي الموضوع مع خالص أحترامي وتقديري