الأحد، 29 يوليو 2012

حكمتُ بأن يخرج المسلمون من البلد


في كتابه النفيس (قصص من التاريخ) ذكر الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله أكثر من عشرين قصة من التاريخ الإسلامي، كتبها بأسلوبه الماتع السلس الذي ينساب إلى القلب ويدعك تتخيل المشهد وكأنك تعيشه. ومن تلك القصص قصة سمرقند التي ذكرها البلاذري في كتابه (فتوح البلدان)، لكن الطنطاوي صاغها بأسلوب جميل يجعلك لا تتركها حتى تفرغ من قراءتها.
ومختصر القصة أن قتيبة بن مسلم الباهلي، قائد الفتوحات في آسيا الوسطى في القرن الأول الهجري، غزا سمرقند. فأرسل أهل سمرقند رسولاً إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز يشكون إليه أن قتيبة دخل مدينتهم وأسكنها المسلمين على غدر، من غير منابذة ولا دعوة إلى الإسلام!.
ويروي الطنطاوي تفاصيل رحلة رسول سمرقند إلى الخليفة في دمشق، وما كان يفكر فيه طول طريقه، وكيف وصل إلى مبنى جميل فظنه قصر الخليفة، لكنه رأى الناس يدخلونه دون استئذان، فدخل معهم فإذا هو المسجد الذي يجتمع فيه المسلمون، وكيف انبهر الرجل مما رأى من أخلاقهم وتآخيهم، فأسلم. ثم راح يسأل عن دار الخليفة حتى وصلها، فلم يصدّق أنها دار من كان يحكم معظم بلاد الأرض في ذلك الحين. ودخل على الخليفة وطرح شكوى أهل بلده وهو متخوف أن يأمر الخليفة بقطع رأسه لأنه تجرأ واشتكى! لكنه فوجئ بالخليفة يكتب له كتاباً ليعطيه إلى الوالي يأمره فيه أن ينصب لهم قاضياً، فإن قضى بإخراج المسلمين أُخرجوا!
أما رحلة العودة إلى سمرقند فكان لها طعم آخر، فالرجل الآن قد أسلم، ولم يعد متخوفاً من السير في بلاد المسلمين، حتى وصل بلده وقابل الكهنة الذين حسبوا أنهم لن يروه أبداً، فأمروه أن يعطي الكتاب مختوماً إلى الوالي، فقام الوالي بتنصيب (جميع بن حاضر التاجي) قاضياً‏.‏ وجاء الكهنة وأهل سمرقند وهم يظنون أن الأمر لا يعدو تمثيلية لإقرار ما فعله قتيبة من خلال حكم المحكمة.
طلب القاضي من كبير الكهنة أن يعرض دعواه، فعرضها، فسأل القاضي قتيبة: أدعوتم أهل سمرقند إلى الإسلام، ثم إلى الجزية، ثم إلى القتال؟ فقال: لا! فقال القاضي: إنك قد أقررتَ، وإن الله ما نصر هذه الأمة إلا باتباع الدين واجتناب الغدر، وإنّا ما خرجنا من بيوتنا إلا جهاداً في سبيل الله، ما خرجنا لنملك الأرض، ولا لنعلو فيها بغير الحق. ثم نطق القاضي بالحكم: حكمتُ بأن يخرج المسلمون من البلد ويردوه إلى أهله، ثم يدعوهم وينابذوهم على سواء!
راح الناس يكذّبون عيونهم وآذانهم، وظنوا أنهم في حلم، وهنا أعلن رسولهم إلى الخليفة إسلامه وأسلم الكهنة، وكان عدد كبير من أهل سمرقند قد أسلم خلال فترة سفر الرسول ورأوا من أخلاق المسلمين السامية ما رأوا، فكرهوا جميعاً الحرب وأقروا المسلمين فأقاموا بين أظهرهم‏.‏
وإن المسلمين اليوم في أشد الحاجة إلى هذه القصة وأمثالها، لاسيما الذين ثاروا على الظلم والطغيان في بلدان الربيع العربي، فهؤلاء بحاجة إلى من يذكّرهم أنهم ما ثاروا لأنهم يريدون علواً في الأرض ولا فساداً، وإنما ثاروا لإحقاق الحق، ودحر الباطل. ولذا فلا أظنهم يفكرون في الانتقام لما أصابهم، بل لابد من إقامة المحاكم العادلة التي تعيد الحقوق لأصحابها، وتقيم الحدود على من يستحقها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

السلام عليكم ضع تعليقك وأترك بصمتك علي الموضوع مع خالص أحترامي وتقديري