الأحد، 15 يوليو، 2012

لأقْتُلَنَّك!

سألني صديقي: هل مازلت تقول بأن الحضارة بدأت مع نزول آدم إلى الأرض؟ قلت: نعم، ينظر إلى الجانب المادي من الحضارة يقول بأن العصور الأولى هي عصور بدائية، لكن من ينظر إلى القيم الإنسانية والأسباب التي تؤدي إلى السعادة من تعاون وإخاء وطمأنينة وسيادة العدل والحق، وانتشار الخير والفضائل الجماعية، والعادات الفاضلة، وسائر طرق معاملة الناس بعضهم بعضًا لا يسعه إلا أن يقول بأن عصر آدم (عليه السلام) عصر حضارة تحقق فيها أيضًا ما يخدم الروح ويأخذ بيد الإنسان إلى تحقيق السعادة الحقيقية في الدنيا والآخرة। فآدم كان نبيًا، وبلّغ لأولاده شرعًا، وكانت حياته وحياة أولاده تسودها القيم الفاضلة وعبادة الواحد الأحد।

قال صديقي: لكن أحد أبناء آدم ارتكب أول جريمة على سطح الأرض فقتل أخاه! قلت: نعم، وهذه من حكم الله سبحانه وتعالى، أن يوجد الشر جنبًا إلى جنب مع الخير، فيميز الله الخبيث من الطيب. وبهذا لا يأتي أحد في عصور لاحقة ليقول بأنه لا يستطيع أن يتحلى بالأخلاق الفاضلة بسبب فساد زمانه. فالفساد موجود منذ البداية، ومع ذلك فالأخيار موجودون في كل زمان ومكان.
بل إن الشر موجود قبل تلك الجريمة! ألم يعلن إبليس عداوته لبنى آدم قبل ذلك؟ وأنه سوف يغويهم وأنه وأنه... فجاءه الجواب: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ!
لقد قصَّ القرآن الكريم كيف تمت تلك الجريمة التي قامت بها نفس شريرة يغلب عليها طبيعة الشر والعدوان الصارخ الذي لا مبرر له، ضد نفسٍ طبيعتها الخير والسماحة والطيبة والوداعة. ولعل ورود القصة في القرآن بالتفصيل الذي تمت به كان الهدف منه توليد الشعور بالحاجة إلى شريعة نافذة بالقصاص العادل، تكف الشرير المعتدي عن الاعتداء، وتردعه بالتخويف عن الإقدام على الجريمة، فإذا ارتكبها وجد الجزاء العادل المكافئ للفعلة المنكرة.
والعقوبة تصون الأناسَ الطيبين الأخيار وتحفظ حرمة دمائهم. وقد ورد في الحديث (لا تُقتل نفسٌ ظلمًا، إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه أول من سنَّ القتل).
والمثير في القصة أن القاتل قام بفعلته عن سابق إصرار وتصميم بل وقام بإعلام أخيه بعزمه على قتله. ولقد عرض له أخوه وزر جريمة القتل لينفره منها، ويزين له الخلاص من الإثم، بالخوف من رب العالمين، كما أوضح له أنه لن يحاول الرد بالمثل، خوفا من الله لا عجزًا عن الفعل. ولكن بعد التذكير والعظة والمسالمة والتحذير وقعت الجريمة، وتم الاعتداء على الحياة! فجاءت منكرة وبشعة أيما بشاعة. نعم! فقد كانا في مجتمع يقيم حياته على شريعة من الله، وينظم شؤونه على أحكامها، ويكفل لأهله العدل والطمأنينة، ويمنع عنهم عوامل الاستفزاز والإثارة.
إنه من حق كل من يعيش في المجتمع أن تُضمن له رعاية حقوقه وأن يُحافَظ على روحه وعِرضه وعقله وماله ودينه، وبهذا تتم المحافظة على سلامة المجتمع آمنًا سالمًا. ومن خرج بعد ذلك كله على نظام المجتمع فهو معتد أثيم شرير يستحق أن يؤخذ على يده بأشد العقوبات.
وجريمة القتل خسارة من كل النواحي. فالمقتول كان يمكن أن يكون أخًا ناصرًا ورفيقًا معينًا. وهي خسارة للقاتل إذ لن تهنأ له حياة وهو يتذكر في كل لحظة فعلته المنكرة. لكن الخسارة الأكبر هي خسارته للآخرة.
ولوجود الأشرار في المجتمع الذين يعتدون على المسالمين الوادعين الطيبين الأخيار الذين لا يريدون الشر والعدوان فإن الخالق سبحانه جعل جريمة قتل نفس واحدة (في غير قصاص لقتل، أو في غير دفع فساد في الأرض) تعدل جريمة قتل الناس جميعا لأنها اعتداء على حق الحياة الذي يشترك فيه الناس كلهم، وجعل العمل على دفع القتل واستحياء نفس واحدة (بالدفاع عنها أو بالقصاص لها) عملًا كبيرًا يعدل إنقاذ الناس جميعًا، لأنه صيانة لحق الحياة!
لم يذكر لنا القرآن شيئًا عن التشريع الذي ساد في عصر آدم عن جريمة القتل، لكننا نفهم من السياق وجود تشريع يخص هذه الجريمة لدى أهل الكتاب. وعندما يبتعد الناس عن الشريعة تسود بينهم عادات متوارثة أو تحكمهم قوانين وضعية يرتضونها لأنفسهم. وقد ساد بين العرب قبل الإسلام قضية الثأر، للانتقام من القاتل وردع أي إنسان عن الإقدام على هذه الجريمة النكراء. لكن الثأر ليس له حدود، وكثيرًا ما أدى إلى حروب متوالية طاحنة، كحرب البسوس التي استمرت سنين طويلة وأزمنة مديدة. ولذا فقد جاء التشريع الإسلامي ليوقف عادة الأخذ بالثأر ويشرع القصاص الذي يجعل كل من تسول له نفسه قتل غيره أن يفكر في العاقبة. فالقصاص ليس انتقامًا، ولا إرواء لأحقاد. إنما هو للحياة، وفي سبيل الحياة، بل هو في ذاته حياة كما جاء في التعبير القرآني (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، إذ تنبثق الحياة من ردع الجناة عن الاعتداء ابتداءً، فمن أيقن أنه سيدفع حياته ثمنًا فإنه يتروى ويفكر ويتردد. كما تنبثق الحياة من شفاء صدور أولياء الدم إذا وقع القتل، شفائها من الرغبة في الثأر. ثم في القصاص حياة في معناها الأعم. فالاعتداء على حياة فرد اعتداء على الحياة كلها، واعتداء على كل إنسان حي. وردع الجاني عن إزهاق حياة واحدة، هو ردعه عن الاعتداء على الحياة كلها، وفي هذا حياة للجميع.
وتنتهي الآية بقوله تعالى (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). فالتقوى هي المؤثر الأول في حفظ الحياة لأنها تعقل النفوس عن الاعتداء، وبغيرها لا تقوم الشريعة، ولا يفلح الناس. ولم يكن غريبًا أن نرى ندرة جرائم القتل في صدر الإسلام، حيث كانت التقوى الحارسَ اليقظ في الضمائر تكفها عن الاعتداء، وكان هناك تكامل بين التشريع وتوجيهات التقوى فنشأ مجتمع سليم، حيث قامت المحكمة داخل الضمير قبل أن تقوم على الأرض.
وإننا لنعجب اليوم، ونحن نشاهد أحداث الربيع العربي على الشاشة، كيف عادت فعلة ابن آدم الأول إلى الظهور فأزهقت أرواح الوادعين الذين يهتفون بالمسالمة. والأعجب أن من يزهقها هو من كان يُفترض فيه أن يقيم المحكمة لمحاسبة المعتدين.

هناك تعليقان (2):

  1. و الله القتل جرم عظيم أصبح الآن أمر سهل جداً و يتداولنه الناس كثيراً
    زماننا يشيبُ له الولدان فلا تعجب بما يحدث حولك
    أسال الله أن يثبت قلوبنا على دينه و أن يرزقنا طاعته و الصبر ~

    ردحذف
  2. عزيزتي من قتل نفس كأنة قتل الناس جميعا ومن أحي نفس وكأنة أحيي الناس جميعا

    شوفي الفرق !!! أد أية كبير

    تحياتي

    ردحذف

السلام عليكم ضع تعليقك وأترك بصمتك علي الموضوع مع خالص أحترامي وتقديري