السبت، 17 مارس، 2012

غابة ، وأما بعد

غابـــــة، وأما بعد..

عندما كنت صغيرا قالوا لي: " الدنيا غابة والقوي فيها يأكل الضعيف".

حينها تعجبت من مقولتهم حتى دارت الأيام ووجدت نفسي أحيا وسط فوضى وحشيّة اختلت فيها موازين القوى، إذ أن الأُسود الجسار الشجعان حُبسوا في أقبية معتمة، فساد الحكم لضباع الغابة وجرذانها الذين سرقوا من الأسد اسمه وتلقبوا به فسادوا واستبدوا.

في هذه الغابة وجدت محاكماً مشرَّعةً أبوابها، مزدحمة قاعاتها، قضاتها مرتشون مجرمون.

ورأيت في غابتي أن الحق بساط مهترئ ممدود في أنحائها، فكل من داس عليه يصل لمصالحه بأقصر الطرق وأقل الأوقات وأغلى الرشوات.
ورأيت بيوتاً بالرُخام مزخرفة، اختبأت فيها أسرار ومظالم، فأهلها لا يبيتون إلا على قصة "قابيل وهابيل"، يرددونها كل يوم بلا كلل أو ملل!

هي بيوت شيدت من دماء الكادحين، وامتدت بها موائد فاخرة طعامها مسروق من أفواه مساكين وفقراء وطني.

في غابتنا يا قومي ترامت عدد من المنارات المتعالية لها هيئة البشر،، فمنحتهم شكل إنسان، يلجأ إليهم صغار العقول ليقتبسوا منهم ما يعينهم على الإبصار بعدما قلعوا أعينهم ووهبوها لقائدهم برهانا على وطنيتهم وعبوديتهم.

في هذه الغابة الأفكار والثقافات متوفرة بأبخس الأسعار.

قديما كان معظمها يُستورد من قنوات مفضوحة الأعراض، ولكن مع الأيام تطورت صناعتنا فأصبحنا ننتجها وراء كواليس إعلامية فاسدة .

ورأيت وزارات لملء بطون الوحوش الشرهة قد بُنِيَت، خزائنها منهوبة وطلابها كلابها، يجترّونها صبحَ مساءَ، تتعالى في أرجائها ضحكات أشباه الرجال.. إنها – يا بني قومي - ليست وزارات بل هي أوكار لنهب الأموال.

الدنيا من حولنا غابة، ولو بقيت إلى الغد أكلمكم عما فيها لما انتهيت!

ولكن.. وبالرغم من طولها وعرضها وظلامها ورعبها فما زالت الشمس تشرق عليها بعد كل ليل بارد، وما زال فيها مورد للماء صاف يرتاده أنقياء النفوس والعقول.

فإلى متى يا بني قومي سأبقى صامت وأنياب الوحش تنغرس في لحمي فتنهشني وتشرب من دمي؟ أترى سيعود صلاح الدين ويخلصني، أم ستهبط علي معجزة من السماء؟

لا والله فلا هذا ولا ذاك، بل أنا من سأتكلم وأنت أيضا ستتكلم.. أنت ستفعل وأنا سأفعل .. سننهض حتى يكون الغد لأبنائنا ويكونون قادة للحق وقادة للإنسانية.

فوطني ذّهّبٌ خالص.. ووطني شروق لا غروب.. قد يمرض ولكنه أبدا لن يموت.

سنبدأ صادقين من أعماق وجداننا، ومن داخل أسرنا، ومن شركاتنا.. مدارسنا.. جامعاتنا.. أسواقنا .. وستتكاثر كلمة الحق وتنتشر إلى أن يزول الباطل ويندثر.

سنعلم أولادنا ما معنى كلمة الحق، سنعلمهم أن الحق أغلى من أي شيء.
سنعلم أولادنا أن نهضة البلاد تكون عندما يكونون أحرارا لا عبيدا .. فلا حياة إلا برفع الهامات عاليا.. ولا هامَّةً مرفوعة إلا هامة الإنسان الذي أبى السجود إلا لله وحده.

فلقد حان الوقت لنخطو نحو حياة خطوة تليق بنا... ولن نتراجع .

يدا بيد ضد الظلم، فكلنا نستطيع ما دمنا نملك الحب .. حب الله والوطن..

نعم نستطيع.. ما دام في القلب عشق معقود من الفل والياسمين.

ــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

السلام عليكم ضع تعليقك وأترك بصمتك علي الموضوع مع خالص أحترامي وتقديري