الثلاثاء، 13 مارس، 2012

عام الدكتاتورية الشيعية أو تقسيم العراق

تصاعدت حدة الإتهامات الموجهة لرئيس الحكومة العراقية نوري المالكي انه يعمل على فرض إرادة دكتاتورية تلغي الآخر وتهمشه وتحصر صناعة القرار في دائرة (الحزب الحاكم) كما يحلو لأحد السياسيين أن يكرر دون شراكة حقيقية من المنافسين السياسيين. يجئ ذلك على خلفية المشاكل التي عصفت بالبلاد خلال المرحلة الماضية ,وخلفت شكلا من التنازع غير المحمود, والذي أفضى بدوره الى خسارة بعض المكاسب الأمنية والإقتصادية المتحققة, وتلكؤ في عمل البرلمان والحكومة .

سبب تلك المشاكل يعود في الأساس لقرارات إتخذها المالكي عدها منافسون إنفراداً وتسلطاً لا يمكن القبول بهما ,وربما كان لتشكي بعض الحلفاء من الشيعة أثره في الحماسة التي إعترت أعضاء في القائمة العراقية بزعامة إياد علاوي ليطالبوا التحالف الوطني بإستبدال المالكي بأخر من أعضاء (التحالف الشيعي) وهي خطوة غير ذكية تذكر بالمطالب التي تقدم بها حلفاء من خارج التحالف لإستبدال رئيس الوزراء السابق إبراهيم الجعفري على خلفية مشاكل عصفت في عهده مع الأكراد والسنة وكلاهما يبدو نادما على ذهاب الجعفري ومجيء المالكي بديلا عنه. رغم ذلك يصر اعضاء في العراقية على هذا المطلب الذي ينم عن أحد أمرين, إما الخبث السياسي لتعطيل حراك الدولة ,أو غباء سياسي لا يأتي بنتائج ذات أهمية تذكر .

ويتهم أعضاء الجماعات الشيعية (الدعوة، المجلس الأعلى ، التيار الصدري)بالعمالة لإيران, والعمل على فرض نموذج الإسلام السياسي في العراق, وعلى خطى الولي الفقيه ويعود ذلك الى نوع الصراع الإقليمي في هذا البلاد بين (السعودية، وإيران) والذي يمكن ملاحظة شدته البالغة بكلام مضى عليه وقت قاله المتحدث باسم العراقية حيدر الملا لصحفي عراقي في مجلس النواب : إذا سألتني عن الوقت ,فسأشتم إيران ,وإذا سألتني عن السياسة فسأشتم ايران... الخ..!

فاذا كانت التهمة ملتصقة بمكونات شيعية بالعمالة لإيران, ودون تحديد جهة بعينها ,وإنها تمثل المشروع الإيراني في العراق, فلماذا يتهم المالكي بالتفرد ؟ وإنه يصنع دكتاتورية الحزب الواحد ؟. المالكي وحزبه الواحد لن يستطيعا الإستمرار في السلطة لفترة طويلة, وقد تكون الإنتخابات القادمة سبيلا لمعرفة حظوظ المالكي وحزبه . وهنا يكمن ضعف أو خبث منتقدي المالكي ,فالمشكلة في الأساس تكمن في طبيعة الصراع بين المكونين الأساسين (الشيعة ، والسنة) وبين (السعودية، وإيران) ..المالكي يمثل الواجهة للمشروع الشيعي الكبير. مثلما إن الهاشمي يمثل المشروع السني الهادف الى تعطيل حركة هذا المشروع ..ولو سلمنا جدلاً بموافقة التحالف الوطني الشيعي على مطلب إقصاء المالكي المتهم بالدكتاتورية, فمن سيكون البديل الذي لن يأتي من خارج ثلاثي (الدعوة، المجلس الأعلى، التيار الصدري), وكل منهم يحمل سمات المشروع الشيعي برغم المناداة بالوحدة الوطنية والتأخي والتسامح بين كافة المكونات العرقية والدينية في البلاد؟ هذا البديل سيمثل الدكتاتورية الشيعية القادمة في عام 2012 والتي ستتحقق بالمالكي, أو بدونه ، وصناديق الإقتراع كافية لبناء هذه الدكتاتورية المنتظرة دون الحاجة الى التسلط والتفرد.

*بين ثنائي السلطة والثروة ، وثلاثي السلطة والثروة والأغلبية

في ثمانينات القرن الماضي، رشح عن معارض شيعي كبير، إن العراق بحاجة الى دكتاتورية شيعية للتخلص من الدكتاتورية السنية، ومن ثم من آثارها بعد سقوطها.

وإذا كانت السلطة وسندها الثروة توفرتا طوال قرون من الزمن, ومكنتا الطائفة السنية من حكم العراق بالنار والحديد (دكتاتورية صدام حسين) ,وجعلت من الشيعة في المرتبة الثانية كما يرى سياسيون، ورجال دين ومثقفين شيعة، وبالرغم من إفتقاد السنة لميزة (الأغلبية) إلا أن الثروة التي تحكم بها رجال السياسة السنة إضافة الى السلطة القاهرة لم تمكن المشروع الشيعي من الظهور إلا متأخراً، ومع صعود الإسلام السياسي وإنتصار الجناح الأصولي في إيران.

أدى سقوط صدام حسين الى تغيير هائل في البنية السياسية، والإجتماعية والثقافية، وتحول في أوجه الصراع، وبدا واضحاً إن عملية نقل السلطة والثروة الى الشيعة عاضدها خطاب الأغلبية التي لم تؤشر من خلال الإحصاء السكاني المؤجل لكن الواقع أكدها بوجود المواطنين الشيعة في مؤسسات الجيش والشرطة ,ووزارات الدولة الأخرى،وأكدتها الإنتخابات البرلمانية التي جعلت من التحالف الوطني الشيعي أكبر كتلة برلمانية من حيث عدد المقاعد في مجلس النواب, وظهور مدن كالنجف وكربلاء والبصرة كعواصم للتأثير الديني والإقتصادي المباشر، وإنهارت بذلك ثنائية (السلطة، والثروة) في مواجهة ثلاثية (السلطة، الثروة، الأغلبية).

وأي من المكونات السياسية الشيعية المعروفة في الساحة العراقية في المرحلة الحالية، أو تلك التي ستظهر في مرحلة لاحقة، ستفرض حضورها من خلال وجود دكتاتورية سياسية مدعومة من مرجعية دينية، غير تقليدية، وحليف إقليمي، تعتمد ثلاثية (السلطة ، الثروة، الأغلبية) ...ما ستواجهه هذه الدكتاتورية من تحد سيتمثل في المشروع السعودي المضاد الذي تداعى له كبار الساسة السنة في العراق حين زاروا الرياض نهاية الصيف الماضي، هذا المشروع يقوم على رؤية سياسية مؤداها (في حال عدم القدرة على حكم العراق موحداً في ظل هيمنة سنية، فلا بد من منع حكمه موحداً في ظل هيمنة شيعية)، ولأن بوادر السيطرة الشيعية ترسخت في اللحظة التي وقع فيها رئيس الوزراء نوري المالكي إتفاقية الإطار الإستراتيجي مع الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش، وها هي تترسخ الآن فإن مناداة بعض المحافظات السنية بالإنفصال المقنن بمثل تتويجاً للمخاوف السعودية، وهو ما جوبه برد فعل غير مسبوق من المالكي، والمكون الأكثر راديكالية (التيار الصدري) خاصة في محافظة ديالى المتداخلة مع العاصمة بغداد، الأمر الذي أدى الى إحراج هيئة علماء المسلمين السنية التي إضطرت لإتخاذ موقف قريب جداً من موقف الحكومة والتيارات الشيعية، بإستثناء المجلس الأعلى الإسلامي الذي كان منذ عام 2003 يطالب بالفدرالية.

وليس من مستقبل للعراق إلا في ظل حكم شيعي متفرد، أو أن يمضي الى التقسيم.

إيران تعمل على وحدة العراق شريطة أن يكون محكوما شيعياً؟، والسعودية تعمل على تقسيمه لحرمان إيران من بديل فاعل يعوض خسارتها في سوريا –.

معادلة قاسية لكنها تؤسس لمستقبل غير واضح..!

وإذن كيف يحكم العراق ؟

إذا كانت السياسة هي الأولى في الفنون، والأخيرة في المهن كما يقول فولتير، فإن السياسيين في العراق جعلوا منها مهنة للإرتزاق، وصار عديد منهم يفكر بعقلية سائق تاكسي، فهو يخرج صباحاً ويفكر أثناء قيادته للسيارة بعدد الذين سيستوقفونه ليقلهم الى أماكن عملهم، أو الى السوق ,أو الى أي مكان آخر يرغبون في الوصول إليه، والمهم لديه أن يعرف كمية النقود التي حصل عليها في نهاية اليوم، ويفكر أيضاً في إقتطاع بعض المال لتعبئة الوقود، وإصلاح بعض الأعطال في سيارته.

السياسي في العراق، يفكر في حجم المكاسب المتحققة من عمله السياسي، وسواء كان لديه حظ من المعرفة بفنون السياسة, أو كان يعتمد حضوره الحزبي, أو الطائفي فإنه ينتظر كما من المكاسب الشخصية ,أو التي يتطلبها إنتماؤه الطائفي أو القومي، أو الحزبي..

هذا هو الرابط بين السياسي وسائق التاكسي.

الرؤية التي يعمل وفقها رئيس الوزراء نوري المالكي، تتقاطع في الغالب مع تلك المتوفرة لدى المنافسين السياسيين الذين يمثلون القائمة العراقية، لكن الرؤيتين تمثلان وجه العراق في الأشهر والسنوات المقبلة، وإذا كانت الأزمة في لبنان تتمخض عن أزمات ,ومنذ عقود من الزمن، فإن الأزمة العراقية مفتوحة على سيناريوهات مخيفة، لأن العراق ليس كلبنان،، خاصة وإنه تحول الى رمح يمكن أن تستفيد منه إيران في إحكام سيطرتها على الشرق الأوسط، دون أن تعبأ بالمخاوف العربية ولا بالمنافسة التركية.

فالقائمة العراقية تمثل مشروعاً سنيا مدعوما من منظومة عربية ضاغطة ومتوجسة, بينما التحالف الوطني يمثل مشروعا شيعياً مدعوماً من إيران، وهذه ليست تهمة يمكن إلصاقها بالسياسيين السنة, أو بنظرائهم الشيعة، بل هي واقع على الأرض فرضته الظروف والوقائع الثقافية، والسياسية، والجغرافية والتاريخ، والمشتركات العديدة بين شعوب المنطقة المعنية بالتوصيف الآنف.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

السلام عليكم ضع تعليقك وأترك بصمتك علي الموضوع مع خالص أحترامي وتقديري