مقدمة
كان من الآثار الطيبة لفتح خيبر:
1- حُيِّدَ جانب قريش، وبدأت الأرض تتناقص حول قريش، وشعرت قريش بعظمة الدولة الإسلامية، وخاصةً بعد فتح خيبر، وكانت قريش تعتبر خيبر من أقوى حصون الجزيرة العربية مطلقًا، وتعتبر اليهود من أشد الناس قتالاً، ومن أقواهم عُدَّة، فكانت هزيمة اليهود في خيبر ضربة كبيرة، ليس لليهود فقط ولكن لقريش في عقر دارها، فما تخيلت قريش أن المسلمين بلغوا من القوة الدرجة التي تمكنهم من فتح خيبر.
2- أن المسلمين قد أَمِنُوا جانب اليهود بعد هزيمتهم في خيبر، وأصبح للمسلمين اليد العليا بلا منازع في الصراع الذي بينهم وبين اليهود بصفة عامَّة، ورأينا أن المسلمين بعد ذلك لم يكتفوا بفتح خيبر، ولكنهم فتحوا أيضًا وادي القرى وتيماء وفَدَك، أي أن كل التجمعات اليهودية الموجودة في شمال المدينة المنورة قد دخلت تحت راية الإسلام.
3- ازدادت قوة المسلمين بصورة ملحوظة، وارتفعت الروح المعنوية عندهم؛ لأن فتح خيبر كان فيه خير كثير للأمة الإسلامية، ليس من الجانب العسكري فقط ولكن أيضًا من الجانب الاقتصادي، وذكرنا قول السيدة عائشة رضي الله عنها عندما قالت: "لما فُتِحت خيبر قلنا الآن نشبعُ من التمر"[1].
[1] البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة خيبر (3999)، ترقيم مصطفى البغا.
ازدياد قوة الإسلام في الجزيرة العربية
تزايدت أعداد المسلمين في المدينة المنورة، فقد انضم عدد من المسلمين في أماكن مختلفة من الجزيرة العربية إلى قوة المدينة المنورة، وجاء جعفر بن أبي طالب والمهاجرون من الحبشة في نفس الوقت الذي فتحت فيه خيبر، حتى إن الرسول أسهم لهم من أسهم خيبر؛ لأنه اعتبرهم مشاركين في الغزوة، وقد جاءوا بهذه النية من المدينة المنورة، فكانوا إضافةً كبيرة للدولة الإسلامية. وقَدِم الأشعريون، وعلى رأسهم أبو موسى الأشعريّ من اليمن، وقدم أيضًا الدوسيون -وهم قبائل كبيرة من اليمن- وعلى رأسهم الطُّفََيْل بن عمرو الدوسي ، وقدم المسلمون من قبائل أخرى كثيرة إلى المدينة المنورة؛ أي تزايدت أعداد المسلمين كثيرًا بعد فتح خيبر أو بعد صلح الحديبية، بل إن المسلمين قدموا أيضًا من مكة المكرمة ذاتها بعد أن تنازلت قريش عن بند إعادة المسلمين المهاجرين من مكة إلى المدينة بعد الحرب التي شنها عليهم أبو بَصِير هو وأصحابه.
وبدأت قوة المسلمين تنمو وتكبر، وفي الوقت نفسه بدأت قوة قريش تتناقص. ثم إن هناك عددًا كبيرًا من العرب أسلم، ودخل في صف المسلمين، ولم يكن يَقْوى على إعلان إسلامه قبل صلح الحديبية، ولكن بعد أن وُضِعت الحرب في الجزيرة العربية، وأَمِن الناس جانب قريش دخل في الإسلام من كان مترددًا في ذلك الأمر، وبقي من الأعداء القدامى للمسلمين قبيلة غطفان، وهي مجموعة من القبائل المرتزقة المُؤَجَّرين؛ فقد استأجرهم قبل ذلك اليهود لحرب المسلمين في الأحزاب، وحاصروا المدينة المنورة بستة آلاف مقاتل وأربعة آلاف من قريش، أي كانوا عشرة آلاف، وكانوا يريدون استئصال الدولة الإسلامية تمامًا، ولهم تاريخ معقد مع المسلمين، وأكثر من مرة يحدث منهم نوع من الغدر بالمسلمين، وقتل عدد من المسلمين، وما أحداث بئر معونة وغيرها من الأحداث ببعيد من المسلمين، وأحداث حصار الأحزاب، ثم محاولة معاونة يهود خيبر في حربهم ضد المسلمين، لولا أن فرَّق الرسول r هذا التحالف الذي كان بين اليهود وغطفان عن طريق إرسال سرية إلى غطفان.
تخلص المسلمون من قريش عن طريق المصالحة والمهادنة، ومن اليهود عن طريق الحرب وفتح خيبر، وبقي عدو واحد كبير وهو غطفان.
أهداف الرسول في العام السابع الهجري
كان الرسول يسير بخُطًا ثابتة، وأهداف محددة يسعى إلى تحقيقها، وكان هناك هدفان يسعى الرسول لتحقيقهما في العام السابع من الهجرة بعد فتح خيبر.
كان الهدف الأول: هو فتح خيبر، واستغلال الهدنة التي تمت بينه وبين قريش بعد صلح الحديبية.
أما الهدف الثاني فكان ضرورة إيقاف خطورة قبيلة غطفان، وتأمين جانب المسلمين من قبيلة غطفان، والانتقام لكرامة الأمة الإسلامية، وتسيير القوات الإسلامية إليهم. ومن اللافت للنظر أن الرسول سلك لتحقيق هذين الهدفين مسلكًا واحدًا، وهو إظهار القوة والعظمة والعزة للإسلام والمسلمين. وكما أن الإسلام كدين وشريعة، وكقرآن يُتلى يؤثر في قلوب الكثير من الناس، إلا أن هناك كثيرًا من الناس لا يتأثرون إلا بمظاهر القوة، ولا ينبهرون إلا بعزة الإسلام وسيادته، وكان الطابع الذي يغلب على السنة السابعة هي إظهار القوة الإسلامية، وإظهار العظمة الإسلامية، وظهر ذلك في مراسلات الرسول، كما ظهر ذلك في حروب الرسو، وظهر أيضًا في عمرة القضاء، وظهر تأثر الكثير من أهل مكة والجزيرة العربية بصفة عامَّة، بل وأهل العالم أجمع، وسوف نرى كيف حقق الرسول هذين الهدفين لإظهار القوة الإسلامية.
كان الرسول يهدف لنشر الدعوة في العالم كله، وتكلمنا قبل ذلك على الرسائل التي أرسلها الرسول إلى الزعماء والملوك، وهذه الرسائل قد أضافت للمسلمين قوة كبيرة، ليس في القوة المعنوية فقط، ولكن في القوة العددية أيضًا؛ لأن بعض هذه الرسائل أدت إلى دخول عدد كبير من المشركين في الإسلام، ومن أبرز هؤلاء مملكة البحرين بكاملها ودخلت بزعيمها المنذر بن ساوَى، وكذلك دخلت دولة اليمن، وقد أسلمت بعد إسلام باذان، وهو قائد اليمن الفارسي الذي آمن برسول الله وآمن معه شعبه، سواءٌ كانوا من الفارسيين الذين يعيشون معه أو من أهل اليمن الأصليين، فالجميع تقريبًا آمن ودخل في صف الدولة الإسلامية، وهذه إضافةٌ قوية إلى الدولة الإسلامية. ولا ننسى أن اليمن في جنوب قريش، والمدينة المنورة في شمال قريش، وهكذا حصرت مكة المكرمة بين مناطق إسلامية، وهذا - بلا شك - إضافة كبيرة إلى الدولة الإسلامية الجديدة. وأرسل الرسول الدعاة هنا وهناك يدعون الناس إلى الإسلام، ويقربون المعنى والفكرة إليهم، وبدأ الناس يفكرون في الإسلام بطريقة جديدة دون خوف أو وجل من قريش، فالهدف الأول في العام السابع من الهجرة وما تلاه من أعوام كان نشر الدعوة في كل بقعة من بقاع العالم، وكان الهدف الثاني هو إيقاف خطورة غطفان، وقد خرج الرسول لمواجهة غطفان والحدِّ من خطورتها، وكانت هذه الغزوة هي غزوة ذات الرِّقَاع، كما وجَّه الرسول إليهم ست سرايا للحد من قوتهم؛ تمهيدًا للقضاء على خطورتها العسكرية تمامًا في العام الثامن الهجري.
غزوة ذات الرقاع
كانت غزوة ذات الرقاع في شهر ربيع الأول سنة 7هـ، أي فور رجوع المسلمين من فتح خيبر؛ فهي حركة دائبة من الجهاد في سبيل الله، وبعض كُتّاب السير يضعون غزوة ذات الرقاع في أحداث السنة الرابعة، وهذا لا يستقيم؛ لأن أبا موسى الأشعري -كما ثبت في البخاري- شارك في غزوة ذات الرقاع، وأبو موسى بالاتفاق لم يأتِ إلى المدينة المنورة إلا في العام السابع من الهجرة مع قدوم جعفر بن أبي طالب إلى المدينة المنورة، أي جاء بعد فتح خيبر، ومن المؤكد أن غزوة ذات الرقاع وقعت في السنة السابعة من الهجرة، وهذه الغزوة كانت موجَّهة إلى قبائل غطفان، التي حاصرت المدينة المنورة في غزوة الأحزاب، وأرادوا أن يساعدوا اليهود في خيبر، وكانوا يُعِدُّون العُدَّة لغزو المدينة المنورة، ولكن الرسول أرسل إليهم سرية وهو يفتح خيبر، فأرادوا إعادة غزو المدينة المنورة من جديد؛ ولذلك كان على الرسول أن يقف وقفة جادة ومخوفة، ويخرج إليهم بنفسه بدلاً من أن ينتظرهم في المدينة المنورة؛ حتى لا يؤخذ انطباعٌ دائم عن المسلمين أنهم يخافون من غطفان، ولا يجرءون على مواجهة مباشرة معهم، وهذا الانطباع السلبي أراد الرسول أن يمحوه، ومن ثَمَّ خرج الرسولوصحابته الكرام إلى ديار غطفان[2].
الجيش الإسلامي يصل إلى أرض غطفان
خرج الرسول بنفسه إلى ديار غطفان، ولكن يبدو أن جيوش المسلمين في ذلك الوقت كانت موزعة في أماكن متفرقة؛ فهناك جيوش بداخل المدينة المنورة، وهناك جيوش في خيبر، وفي وادي القرى، وفي فدك، وفي تيماء، وفي غيرها من الأماكن الملتهبة في ذلك الوقت، والرسول لا يأمن أن يترك المدينة المنورة بلا جيش ولا قاعدة، والرسول لا يأمن غدر قريش، وقبائل غطفان قد تلف من هنا أو هناك حول الطرق لتدخل المدينة المنورة من أي مكان، أمور كثيرة جعلت من الضروري أن يترك المسلمون حامية في داخل المدينة المنورة؛ لذلك خرج الرسول في جيش صغير نسبيًّا، وهذا الجيش تقريبًا كان أربعمائة من الصحابة ، وفي بعض الروايات أنهم سبعمائة من الصحابة y أجمعين، ولم يكن معهم من البعير إلا القليل، لدرجة أن ستة من الصحابة كانوا يتناوبون ركوب البعير الواحد، وسار الرسول مسافة كبيرة بجيشه في عمق الصحراء، وتوغل حتى بلغ ديار غطفان، وهي إلى الشمال الشرقي من المدينة المنورة على مسافة عدة ليالٍ من المدينة المنورة، وهذه المسافة كبيرة جدًّا، والصحابة يسيرون على أقدامهم، وقد أثر ذلك فيهم أجمعين، والبخاري -رحمه الله- يروي عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ فِي غَزْوَةٍ، وَنَحْنُ سِتَّةُ نَفَرٍ، بَيْنَنَا بَعِيرٌ نَعْتَقِبُهُ، فَنَقِبَتْ أَقْدَامُنَا وَنَقِبَتْ قَدَمَايَ وَسَقَطَتْ أَظْفَارِي، وَكُنَّا نَلُفُّ عَلَى أَرْجُلِنَا الْخِرَقَ؛ فَسُمِّيَتْ غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ لِمَا كُنَّا نَعْصِبُ مِنَ الْخِرَقِ عَلَى أَرْجُلِنَا"[3].
قال ابن حجر في الفتح: "نعتقبه أيْ نركبه عُقْبةً عُقْبة، وهو أن يركب هذا قليلاً ثم ينزل فيركب الآخر بالنوبة حتى يأتي على سائرهم"[4].
والحقيقة أننا نحتاج أن نقف وقفة مع هذا الموقف، فهذا الحديث وأمثاله يوضِّح لنا مدى التضحية والبذل والعطاء الذي تميز به هذا الجيل الصادق من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
صور من حرص الصحابة على الجهاد
كان العام السابع من الهجرة حركة دائبة ومستمرة من الجهاد في سبيل الله، من الرسول ، وصحابته الكرام رضوان الله عليهم؛ وإذا نظرنا إلى الشهور الثلاثة الأخيرة من العام السابع الهجري، نجد أن الرسول وصحابته الكرام قد توجهوا إلى مكة المكرمة لأداء عمرة القضاء مع التضحية التامة بالنفس، والذهاب إلى قريش في عقر دارها، استعداد تام للقتال حتى النهاية، وبعد عودة المسلمين إلى المدينة المنورة بعد صلح الحديبية، انطلقوا مباشرة إلى الحصون والقلاع في خيبر، ودار قتال شرس أكثر من شهر متصل بخيبر، وانتصار مهيب كما رأينا لا مثيل له، وعودة إلى المدينة لعدة أيام، ثم الخروج والسير في الصحراء مسافة طويل كما رأينا لقتال قبيلة غطفان، وهي من أقوى وأشرس قبائل العرب، وبذلك نرى حركة دائمة في سبيل الله، وبذل وتضحية في كل لحظة، ورأينا جعفر بن أبي طالب وهو يعود من الحبشة فيجد أن الرسول قد غادر المدينة إلى خيبر، فيترك المدينة مباشرة، ويذهب إلى خيبر؛ ليشترك في القتال، وهو قادم من الحبشة وهي مسافة طويلة جدًّا. ورأينا أبا موسى الأشعري وهو يأتي من اليمن في أيام خيبر فيخرج بعد قدومه بعدة أيام إلى هذه الغزوة الصعبة، غزوة ذات الرقاع، فلم يكن هناك لحظة ضائعة في حياة هذا الجيل، ولعل ذلك هو الذي يفسر لنا الكَمّ الهائل من الأحداث التي وقعت في زمن البعثة النبوية، وهي فترة محدودة وقصيرة، ولا يمكن أبدًا أن نستوعب هذه الأحداث إلا إذا نظرنا إلى هذا الجهد والبذل والعطاء المستمر من هذا الجيل أجمعين. وإذا أضفنا إلى هذا الاستغلال الدقيق لكل لحظة من لحظات الحياة، البركة التي ينعم الله بها على عباده المؤمنين، فعند ذلك نفهم كيف قاموا بالأحداث الضخمة الكثيرة في هذه الفترة المحدودة من الزمان! وكانت أعمالهم كلها خالصة لله ، لدرجة أن أبا موسى الأشعري ، لما حكى هذا الأمر بعد ذلك كما يذكر البخاري: وحدَّث أبو موسى بهذا ثم كره ذاك، قال: "ما كنت أصنع بأن أذكره"، كأنه كره أن يكون شيء من عمله أفشاه[5]. أي أنه يلوم نفسه لأنه أعلن هذا الأمر؛ لأنه كان يريد أن يكتم هذا الأمر ليصبح هذا العمل بينه وبين رب العالمين. والحمد لله أنه حَدَّث بذلك الأمر ليصل إلينا لنتعلمه ونعلمه لإخواننا وأبنائنا. ومع كل هذه الصعوبة وصل الجيش الإسلامي إلى ديار غطفان، وكنا نتوقع معركة طاحنة بين المسلمين الذين تعرضوا لأذى غطفان قبل ذلك أكثر من مرة، وبين غطفان القبيلة الكبيرة الشرسة، التي يغزوها المسلمون في عُقْر دارها، ولكن المفاجأة أنه لم يحدث قتال؛ فقد آثر أهل غطفان ألاّ يدخلوا في صراع مع المسلمين، مع أن المسلمين في أقصى تقدير لا يزيدون على سبعمائة وأعداد غطفان هائلة، والمعركة في عقر دارهم، وفي الطرق والدروب التي عرفوها قبل ذلك ألف مرة، والمسلمون قادمون من مسافة بعيدة، وقد نقبت أقدامهم من السير كما يقول أبو موسى الأشعري ، وأهل غطفان مستقرون في ديارهم. فهذا الأمر في عُرْف أهل الدنيا أمر عجيب حقًّا.
الله يلقي الرعب في قلوب غطفان
كيف يهرب أهل غطفان وهم في هذه الظروف المستقرة، والجيش المواجه لهم ظروفه صعبة وهو قادم من سفر طويل وعدده قليل، فهذا الوضع لم يكن له إلا تفسير واحد، وهو أن هذا الجيش الإسلامي مؤيَّد بقوة خارقة فوق كل الحسابات المادية، وهو تأييد رب العالمين لرسوله الكريم ، ولعامَّة المؤمنين، يقول الرسول : "نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ"[6].
فقبْل أن يصل الرسول إلى أرض المعركة، يقذف الله الرعب في قلوب أعدائه، وقد رآه المسلمون في بدر، وفي الأحزاب، وفي غزوات اليهود المختلفة، فقد رأوه مع بني قَيْنُقَاع وانتهاءً بخيبر، بل شاهدوه في النصف الأول من غزوة أُحد عندما كان المسلمون مرتبطين برسول الله ، قال تعالى تعليقًا على النصف الأول من غزوة أُحد: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 151].
أي أنه إذا ارتبط المسلمون بالله ، ألقى الله تعالى الرعب في قلوب الفريق الآخر، وهذا أمر معروف عند المسلمين في حروبهم، ولكن الجديد في غزوة ذات الرِّقَاع أن هذا الشعور قد دخل أيضًا عند أهل غطفان، ووجدوا أنفسهم ينسحبون أمام الجيش الإسلامي بشكل غير مبرر، ووجدوا أنفسهم للمرة الأولى في حياتهم في فزع ورعب شديد من غيرهم، فهم يعيشون على السلب والنهب وقطع الطريق، ومع ذلك وجدوا أنفسهم يخافون من الجيش الإسلامي الذي لا يتجاوز على أقصى تقدير سبعمائة من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. وإذا كان هذا الرعب من فريق قليل من المسلمين، فهذا الأمر يحتاج إلى وقفة، ويحتاج إلى تفسير وتحليل! فغزوة ذات الرقاع قد هزت قبيلة غطفان من الأعماق، وقد يأتي النصر من حيث لا نحتسب؛ ليعترف الجميع أن النصر من عند الله سبحانه. وبدأت شعوب غطفان وزعماء غطفان يفكرون جميعًا بنظرة إيجابية لهذا الدين، نَعَمْ لم يأخذوا قرارًا سريعًا بالدخول في الإسلام، ولكنهم وقفوا وقفة جادة للتأمل، فهؤلاء المرتزقة الذين عاشوا حياتهم على السلب والنهب يرون أنفسهم أمام شيء لم يروه من قبل، والآن دخلت الرهبة في قلوبهم، وألقى الإسلام بجلاله وهيبته على غلاظ الأكباد وعتاة الإجرام، فهذا الدين المحكم الذي: {لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصِّلت: 42]. قد تسلل إلى هذه القلوب تسللاً، ورجع الرسول وصحابته الكرام دون قتال، ولكن هذا قد ترك أثرًا لا يُمحى من قلوب غطفان.
الرسول ينام تحت الشجرة وينجو من الأعرابي
عاد الرسول من غطفان إلى المدينة المنورة بعد أن عاقب المسلمون قبائل غطفان التي اعتدت على المسلمين مرات ومرات، وعندما كان الرسول في الطريق إلى المدينة المنورة حدث له موقف غريب، والموقف جاء في صحيح البخاري عن جابر ، أن الجيش الإسلامي وهو عائد إلى المدينة تفرق الناس في العضاه لكي يستريحوا، وكما يصفون المنطقة فهي كثيرة الشجر، فجلسوا يستظلون بالشجر، ونزل الرسول تحت شجرة، فعلق بها سيفه، ونام تحت الشجرة، ونام الرسول ونام كل الصحابة، فهو طريق طويل جدًّا، فجاء رجل من الأعراب وأخذ سيف رسول الله ورفعه فوق رأس رسول الله ، واستيقظ الرسول ، وقال له الأعرابى المشرك: أتخافني؟
وكان من المتوقع من الرجل أن يقتل الرسول ، وبذلك ينال شرفًا كبيرًا عند أهل غطفان، ولكن الرجل لم يفعل ذلك لعصمة الله لنبيه، فلا يناله الأذى من الآخرين، يقول تعالى: {وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [المائدة: 67].
وبدأ الحوار بين الرسول والأعرابيّ، قال له: أتخافني؟
وردَّ الرسول في ثقة: "لاَ".
وما اهتز له جفن، ولم يدخل في قلبه أي خوف، وتعجَّب الأعرابي؛ فالسيف في يده والرسول r أعزل ليس معه شيء يحمي به نفسه، ومع ذلك لا يخاف، فقال الأعرابي: مَن يمنعك مني؟
فردَّ الرسول في ثبات وقال: "اللَّهُ".
وفي رواية أن الأعرابي كرر السؤال ثلاث مرات: من يمنعك مني؟ وفي كل مرة يقول الرسول r بثبات: "اللَّهُ"[7].
فوقع السيف من يدي الأعرابي، وفي رواية -وهي عند البخاري أيضًا- أن الأعرابي شام السيف أي أغمد السيف، ولم يقع منه رغمًا عن إرادته، ولكنه أغمده بإرادته تعجبًا من ثبات الرسول [8]. وفي رواية للإمام أحمد بن حنبل وابن إسحاق رحمهما الله أنه عندما وقع السيف من الأعرابي، أمسك به الرسول ، وقال له: "مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟" وتبادل الرسول والأعرابي المواقف:
"الآنَ مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟"
والأعرابي كافرٌ ما استطاع أن يقول الله، وما استطاع أن يلجأ إلى آلهته المزعومة من الأصنام، ولكنه طمع في كرم الرسول ، فقال له: كن خير آخذ؟
فقال r: "تَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللِّهِ؟"
فقال الأعرابي: أعاهدك ألاَّ أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك.
فهذا الأعرابي لم يُسلِم، ولكنه وعد الرسول ألا يقاتله ثانية. وعلى الرغم من هذا الموقف الصعب، فالأعرابي لم يستطع أن يأخذ قرار الإسلام، فأطلق رسول الله سراحه، ولم يعاقبه، وثبت ذلك في مسند أحمد أن الرسول لم يعاقب الأعرابي، وعاد إلى أهله سالمًا وقال لهم: جئتكم من عند خير الناس[9].
وفي رواية أن عددًا كبيرًا من أهله قد أسلم، وأن هذا الرجل كان اسمه غَوْرَث بن الحارث. وهذه القصة وإن كانت في ظاهرها عابرة إلا أنها تركت أثرًا كبيرًا في أعراب هذه المنطقة من غطفان بأن رسول الله ليس رجلاً كريمًا فحسب، وليس قائدًا شجاعًا جريئًا فقط، وإنما هو أيضًا نبي مرسل؛ لأنه ليس من عادة الملوك والقادة أن يتركوا من وقف على رءوسهم بالسيف مهدِّدًا هكذا دون أن يقتلوه، وليس من عادتهم الرحمة والتسامح إلى هذا الحد. ولا شك أن هذه القصة -إضافةً إلى غزو الرسول r دون خوف ولا وجل- كان لها أبلغ الأثر في تفكير هؤلاء الأعراب جديًّا في قضية الإسلام.
عَبَّاد بن بِشْر الخاشع لربه
القصة الأخرى العجيبة التي حدثت في أثناء رجوع هذا الجيش المبارك إلى المدينة المنورة، ورواها أبو داود عن جابر أن الجيش نزل في أحد الأماكن للراحة، فعيَّن الرسول رجلين للحراسة، فالأول عباد بن بشر الأنصار، والثاني عمَّار بن ياسر المهاجري فقسَّما الليل بينهما، فكانت نوبة عباد بن بشر فأراد أن يقطع الليل بالصلاة، فوقف يصلي قيام الليل، فجاءه أحد المشركين من غطفان، ورماه بسهم فنزع عبَّاد السهم، وأكمل صلاته. وتخيلْ معي دخول سهم في كتف عباد بن بشر ، فينزع السهم ويكمل الصلاة، والدم يسيل منه ويتفجر، ومع ذلك يكمل الصلاة، فرماه المشرك بسهم آخر فنزعه عباد، وأكمل صلاته، فجاءه السهم الثالث فنزعه عباد، ثم ركع وسجد وأنهى صلاته، ولم يقطع الصلاة، ثم أيقظ عمَّار بن ياسر رضي الله عنهما، فلما وجد عمار بن ياسر الدماء في كل مكان، ورأى الأسهم الثلاثة، قال لعباد: أفلا أنبأتني عندما رميت؟ فيقول عباد بن بشر : كنتُ في سورة أقرؤها، فلم أحب أن أقطعها[10].
وفي رواية ابن إسحاق، قال عباد: "وايم الله، لولا أن أضيِّع ثغرًا أمرني رسول الله r بحفظه، لقطع نفسي قبل أن أقطعها"[11]. ولك أن تتخيل مدى استمتاع عبَّاد بقراءته، ومدى حبِّه لقيام الليل، ومدى استغراقه في صلاته، ومدى خشوعه وتركيزه في الصلاة .
وهرب هذا الرجل المشرك الذي أطلق السهام لما رأى عمار بن ياسر، وفرَّ إلى قومه، ولا ندري عنه شيئًا بعد ذلك، ولكنه -لا شك- انبهر برؤية أولئك الذين كانوا يغزونهم قبل قليل بهذه الشجاعة، ويحاربونهم بضراوة، يقفون في عبادتهم بهذا الخشوع. لا شك أن جَمْع الصحابة رضوان الله عليهم بين الجهاد والصلاة، وبين القتال والعبادة، وبين القوة والرحمة، وبين الكرامة والعفو عند المقدرة، لا شك أن كل ذلك كان لافتًا للنظر لكل الناس، ولا شك أيضًا أنه ترك انطباعًا إيجابيًّا عند عموم البشر بصرف النظر عن جنسيتهم وأعراقهم وقبائلهم. وكانت هذه غزوة ذات الرقاع، وهي غزوة بلا قتال، ولكنها غيَّرت كثيرًا في أفكار قبائل غطفان، وعدَّلت كثيرًا من سلوكهم.
الرسول يوجِّه السرايا إلى أرض غطفان
عاد الرسول بعد غزوة ذات الرقاع بعد أن وجَّه هذا الإنذار لقبائل غطفان، وبدأ في إرسال ست سرايا متتالية، وكلها في العام السابع من الهجرة؛ فقد أرسل هذه السرايا إلى منطقة قُدَيْد، ومنطقة تُرَبَة، ومنطقة بني مُرَّة، ومنطقة مَيْفَعَة، ومنطقة يَمْن وجُبار، ومنطقة الغابة[12]، ست مناطق، وكان القاسم المشترك بين كل هذه المناطق هو أنها كلها أرض لغطفان، وبذلك نرى تركيزًا واضحًا على قضية غطفان في العام السابع من الهجرة. ومن الواضح أن الرسول يسير في خطوات محكمة، وليس فيها بطء قَطُّ في الأداء، والرسول وجَّه الجيش بكامل طاقته لردع بقية الأحزاب، ولصدِّ بقية أعداء الأمة؛ فلذلك رأينا حربًا ضد اليهود وحربًا ضد غطفان، والأمور كلها في غاية الترتيب، ونجح الرسول في هذه الحملات المتكررة في ردع اليهود وغطفان، وبذلك أصبحت القوة الإسلامية في آخر العام السابع من الهجرة هي القوة الأولى في الجزيرة العربية. ومع نجاح هذا الجانب العسكري للدولة الإسلامية، إلا أن الرسول لم يترك مهمته الأولى كرسول وهي مهمَّة البلاغ، بل انتشر الدعاة إلى الله في كل أنحاء الجزيرة العربية وفي خارجها، ودعا المسلمون إلى الإسلام صراحةً، وبقوة وعزة حتى وصل الإسلام إلى معظم ممالك العالم. وبذلك نرى العام السابع للهجرة عامًا جهاديًّا عسكريًّا ودعويًّا، بدأ فيه المسلمون في جَنَى ثمرات صلح الحديبية، ووصلت في هذا العام دعوة الإسلام إلى كل مكان، وانتصر فيه المسلمون انتصارًا باهرًا على اليهود في خيبر ووادي القرى، وفَدَك وتيماء، وحُجِّمت قوة غطفان وتضاءلت، وعرفوا أن قوة المسلمين أعلى من قوتهم، حتى وإن كان المسلمون قليلي العدد، وزاد عدد المسلمين بشكل ملحوظ بعد قدوم المسلمين من كل مكان، فقد جاء مهاجرو الحبشة والأشعريون والدوسيون وغيرهم، بل أسلم الكثير والكثير، فكان العام السابع من الهجرة عامًا سعيدًا من أعوام الدعوة.
[2] المباركفوري: الرحيق المختوم، دار الوفاء، مصر، الطبعة السابعة عشرة، 1426هـ- 2005م، ص328.
[3] البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة ذات الرقاع (3899).
[4] ابن حجر العسقلاني: فتح الباري، دار المعرفة، بيروت، 1379هـ، 7/421.
[5] البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة ذات الرقاع (3899).
[6] البخاري: كتاب الجهاد والسير، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "نصرت بالرعب مسيرة شهر" (2815).
[7] البخاري: كتاب الجهاد والسير، باب من علق سيفه بالشجر في السفر عند القائلة (2753).
[8] البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة بني المصطلق من خزاعة وهي غزوة المريسيع (3908).
[9] رواه أحمد (14971، 15227) ترقيم النسخة الميمنية، وصححه شعيب الأرناءوط.
[10] رواه أبو داود (198) ترقيم محيي الدين عبد الحميد، وأحمد (14745)، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود برقم (182).
[11] ابن هشام: السيرة النبوية، تحقيق مصطفى السقا وآخرين، دار المعرفة، بيروت، القسم الثاني (الجزء الثالث والرابع) ص209.
[12] المباركفوري: الرحيق المختوم ص329، 330.
عمرة القضاء
أعطى الله للمسلمين في نهاية العام السابع من الهجرة شيئًا ذاب المسلمون شوقًا إليه، وهو دخول مكة المكرمة لأداء عمرة القضاء، فقد كان من بنود صلح الحديبية أن يأتي المسلمون بعد عام من صلح الحديبية، أي في نهاية العام السابع من الهجرة؛ ليدخلوا مكة معتمرين ليس معهم إلا سلاح المسافر، ويخرج أهل مكة منها، ويتركون البلد الحرام للمسلمين مدةَ ثلاثة أيام متواصلة، وأعلن الرسول في شهر ذي القعدة من العام السابع للهجرة في المدينة المنورة عن العمرة العظيمة، وأمر رسول الله ألاّ يتخلف عنها أحدٌ شهد الحديبية. وسوف تبدأ تفصيلات هذه العمرة المباركة، وهي في الحقيقة تحتاج منا إلى وقفة مهمة، فقد خرج ألفان من الصحابة ، هذا غير النساء والصبيان، وخرجوا بالسلاح الكامل في موكب مهيب، مع أن الرسول كان متفقًا مع قريش على أنه لا يدخل مكة إلا بسلاح المسافر فقط، إلا أنه لا يأمن من غدر قريش؛ فخرج المسلمون بالسلاح الكامل وبالعُدَّة الكاملة من الرماح والسهام والدروع، وكأنه خارج للحرب، ولكنه سوف يترك كل هذه الأشياء خارج مكة؛ ليدخل مكة بسلاح المسافر وفاءً بعهده ، وأحرم من ذي الحُلَيفة، وهي آبار عليّ، وظل طول الطريق من ذي الحليفة إلى مكة المكرمة يلبي هو وأصحابه ، وكان الطريق طويلاً عشرة أيام تقريبًا من التلبية المتواصلة، حتى وصلوا إلى مكة، وهذه لحظة مهيبة من أعظم لحظات السيرة النبوية؛ فبعد سبع سنوات كاملة من الهجرة، وترك أحب البلاد إلى قلب الرسول ، يعود الحبيب إلى بلده الحبيب مكة، فها هي الأيام تمر بسعادتها وأحزانها، ولكن العاقبة للمتقين، وشتَّان بين حال المسلمين منذ سبع سنوات وحالهم الآن.
فقد خرج رسول الله من مكة منذ سبع سنوات مهاجرًا، ومترقبًا ومستخفيًا بنفسه، يختبئ هنا تارة وهنا تارة، ويُخفِي آثاره قدر المستطاع، واليوم يدخل رسول الله مكة مُعلِنًا ذلك للجميع، وهذا الإعلان ليس لأهل مكة فقط، بل لأهل الجزيرة جميعًا، بل للعالم أجمع.
الرسول وصحابته يدخلون البيت الحرام
ومرت السنوات السبع، والرسول وصحابته الكرام في غيبة عن مكة المكرمة، وها هو الرسول يعود في ألفين من الرجال، غير النساء والصبيان في مظاهرة إيمانية عظيمة، وتلبية تقطع صمت الصحراء، ويعلن لكل الخلق أن: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ.
حقًّا لا شريك لك، وحقًّا الحمد كله لله، وحقًّا الملك كله لله، والدليل هذه العمرة التي نتكلم عليها؛ فمنذ سبع سنوات خرج أهل مكة جميعًا يبحثون عن رسول الله في كل بقعة ليقتلوه، والآن خرج أهل مكة جميعًا، ولكن خرجوا إلى جبال مكة وأوديتها؛ ليفسحوا الطريق لرسول الله ، ليدخل مكة معتمرًا وملبيًا ورافعًا رأسه ومحاطًا بكوكبة من المسلمين المسلحين بالسيوف في أعظم تشريفة رأتها مكة في كل تاريخها، اكتفى أهل مكة -سبحان الله- بالمراقبة له ولأصحابه ، وهم يؤدون شعائر العمرة على طريقة المسلمين. وهذا حدث من أعظم أحداث السيرة النبوية، وهذه العمرة تمهيدًا نفسيًّا رائعًا لما سيحدث بعد ذلك بعام عندما يدخل الرسول مكة فاتحًا، ولعل قضية فتح مكة تكون صعبة جدًّا على التخيل عند كثير من الصحابة؛ لأن مكة من أعظم مدن الجزيرة، بل أعظم مدن العالم، وقريش هي أعز قبيلة في العرب، ومن الصعب على أحدٍ التخيل أن المسلمين يأخذون جيشًا ويقتحمون مكة، ويغزون قريشًا في عقر دارهم، فهذا أمر بعيد! ولكن بعد هذه العمرة أصبح الوضع مختلفًا، فقد رأى المسلمون أهل مكة يفسحون لهم الطريق دون مقاومة، ويتركون ديارهم ثلاثة أيام متواصلة، ويكتفون بالمراقبة والحسرة، وهم لا يستطيعون فعل أي شيء. ولا شك أن المسلمين قد لاحظوا الانبهار الذي كان عند القرشيين من رؤية قوة المسلمين، وكان الرسول يعرف أن هناك أنواعًا كثيرة من الناس لا تنبهر إلا بالقوة، ولا يحترمون غيرهم إلا إذا وجدوه صُلبًا شديدًا عزيزًا، وصدق عثمان بن عفان إذ يقول: "إن الله ليزعَ بالسلطان ما لا يزعُ بالقرآن"[13].
لم يرتدع أهل مكة عند سماع الآيات القرآنية الكريمة الباهرة، مع تمام علمهم أن القرآن معجزة، وأنه فوق طاقات البشر، وأنهم لا يستطيعون الإتيان بسورة من مثله، ولو اجتمعوا لذلك، ولم يرتدعوا بهذا القرآن العظيم؛ ولكن على الناحية الأخرى وقفوا في ذهول أمام قوة المسلمين وعظمتهم.
[13] ابن كثير: البداية والنهاية، تحقيق علي شيري، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى 1408هـ- 1988م، 2/12.
الرسول يحرص على إظهار قوة المسلمين
كان الرسول حريصًا تمام الحرص على إظهار قوة المسلمين أمام أهل مكة قدر المستطاع، وتعددت مظاهر هذه القوة في عدة مظاهر:
1- جاء الرسول بقوة السلاح الكامل من المدينة المنورة، ولكنه كان وفيًّا بالعهد، فقد أبقى السلاح خارج مكة مع سرية من الصحابة، كان فيها مائتان من الصحابة ، وعليهم محمد بن مسلمة ، وبعد أن انتُهي من العمرة تبادل هؤلاء الحرَّاس مع مجموعة من المسلمين الذين أدوا العمرة، وجاءوا لأداء العمرة كغيرهم من الصحابة y. وكان المسلمون قد جاءوا من المدينة إلى مكة وهم يسيرون بالسلاح، وهم يعلمون أن عيونًا لقريش ترقب الموقف. وبالفعل رأت عيون قريش الرسول وهو يمشي بالسلاح، ومعه قوة كبيرة من الصحابة ، وأرسلت قريش إلى الرسول بذلك الأمر، وقالوا له: إنه قد وعدهم أن يدخل مكة بسلاح المسافر فقط. فقال لهم : إنه سيترك السلاح خارج مكة، ولكنه لا يأمن على نفسه من غدر قريش. فالرسول يأخذ بالأسباب، فذهب في عُدَّةٍ كاملة ليلقي الرهبة في قلوب قريش.
2- دخل الرسول مكة راكبًا ناقته القصواء، والمسلمون حوله يُشهِرون سيوفهم لحمايته، والرسول r يمشي وحوله المسلمون من كل مكان يحيطون به ، كما يحيط السِّوار بالمِعْصَم حماية له من المشركين، أو من غدر قريش، فكان ذلك منظرًا مهيبًا جدًّا.
3- دخل المسلمون مكة وهم يلبون جميعًا في صوت واحد: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. وكانت أصوات الصحابة وهم يلبون تهز أعماق قريش، وكان هناك ألفان من الرجال الأشداء يلبون ويرفعون أصواتهم بالتلبية وهم يدخلون مكة المكرمة.
4- تقدم صفوف المسلمين عبد الله بن رواحة وهو ينشد الشعر، ولا نستغرب أن يقول الشعر في مثل هذا الموقف؛ لأن الشعر عند العرب هو وسيلة الإعلام الأولى، فإذا قيل الشعر وقف الجميع ليستمع، وعبد الله بن رواحة كان يعرف هذا الموقف، واختار من الشعر ما يناسب إظهار القوة، ومما قاله في شعره، كما في الترمذي والنسائي عن أنس -والحديث حسن صحيح- قال:
خَلُّوا بَنِي الْكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهِ ... الْيَوْمَ نَضْرِبُكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ
ضَرْبًا يُزِيلُ الْهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ ... وَيُذْهِلُ الْخَلَيِلَ عَنْ خَلِيلِهِ
والمضمون لهذا الشعر أن عبد الله بن رواحة يفسح الطريق لرسول الله ، ويعلنها واضحة صريحة أنه سيضرب كل من سولت له نفسه الغدر به ، ولكن عمر بن الخطاب لم يستوعب ما فعله عبد الله بن رواحة ، فقال له: يابن رواحة، بين يدي رسول الله وفي حرم الله تقول الشعر؟! لكن الرسول كان يرى ما يفعله عبد الله بن رواحة، ومدرك لعقلية العرب عامَّة وعقلية قريش خاصة، قال له : "خَلِّ عَنْهُ، فَلَهُوَ أَسْرَعُ فِيهِمْ مِنْ نَضْحِ النَّبْلِ"[14]. أي من رمي النبل والسهام، فكانت هذه الأبيات من أقوى الأسلحة التي وجِّهت لقريش.
5- أمر رسول الله الصحابة رضوان الله عليهم أن يَرْمُلُوا في الأشواط الثلاثة الأولى؛ أي يُسرِعوا في الجري في أول ثلاثة أشواط من العمرة، وقد أصبح هذا الأمر سُنَّة دائمة، وكان ذلك لإظهار قوة المسلمين.
6- أمر الرسول الصحابة أن يظهروا أكتافهم اليمنى من خلال ملابس الإحرام، فيكشفوا عن سواعدهم الشديدة؛ حتى ترى قريشٌ قوتهم العضلية، إذْ قال في رواية: "رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً أَرَاهُمُ الْيَوْمَ مِنْ نَفْسِهِ قُوَّةً"[15].
والذي حمل الرسول على إظهار الصحابة لقوتهم أثناء أداء العمرة، أنه سرت في مكة إشاعة أن المسلمين قد وهنتهم حُمَّى المدينة المنورة، فلما رأى المشركون قوة المسلمين وعضلات المسلمين وسرعتهم، قالوا: "هؤلاء الذين زعمتم أن الحُمَّى قد وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا وكذا"[16]. وترك ذلك أثرًا كبيرًا في المشركين.
7- صلى الرسول بالمسلمين الصلوات الخمس في الأيام الثلاثة بصورة جماعية في الحرم. وتخيلْ صلاة ألفين من الرجال غير النساء والصبيان، بطريقة واحدة، وبتكبير وتحميد، وبقيادة منظمة لرسول الله إنها صورة باهرة لكل الناس.
8- أمر الرسول بلال بن رباح أن يؤذن من فوق الكعبة، وكانت هزة نفسية عميقة للمشركين، وهم يرون بلالاً الحبشي الذي كان يباع ويشترى، بل يعذب في شوارع وصحراء مكة، وكانوا يربطون الحبل به، ويسيرون به في شوارع مكة يسخرون منه، ويعذب بالصخرة العظيمة على ظهره، هذا الرجل الذي لاقى الأمَرَّينِ من أهل مكة وزعماء مكة، هو الآن يصعد فوق الكعبة، فوق أعظم مكان في الأرض، بعد أن أعزَّه الله بالإسلام، يرفع أذان المسلمين، فهذا الأمر قد هزَّ قريشًا تمامًا من الأعماق، ويردد بلال كلمات الأذان بما فيها من مواطن عزة كثيرة من تكبير لله ، وشهادة بوحدانية الله ، وشهادة بنبوة الرسول إلى آخر كلمات الأذان، فهي كلمات تُلقِي الرهبة والجلال في قلوب كل من يشاهد ذلك من غير المسلمين.
9- كانت تعاملات الرسول مع المؤمنين جميعها أمام المشركين، ورأوا بأعينهم خضوع الصحابة لرسول الله ، ورأوا مدى التوقير والإجلال له، وتذكروا ما قاله لهم عروة بن مسعود الثقفي يوم صلح الحديبية، وعلمت قريش أن الصف الإسلامي صف موحَّد، وقويّ وطائع بكامله لزعيم واحد هو الرسول .
10- ختم الرسول هذه الصورة البهيَّة القوية بزواجه من السيدة ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها، وفي هذا الزواج دليلٌ على أنه يعيش حياة طبيعية في مكة؛ فالرسول ليس خائفًا ولا مترقبًا، بل يتزوج ويحتفل ويقيم العرس، بل إنه في بساطة شديدة لا تخلو من حكمة سياسية رائعة دعا المشركين لحضور الحفل وللأكل من الوليمة، ولكن المشركين رفضوا ولم يقبلوا ذلك، وفهموا رسالة الرسول ، وأنه يتصرف في مكة وكأنها بلده، وليست بلدهم، إضافةً إلى أن السيدة ميمونة بنت الحارث من قبيلة بني عامر العزيزة، وقبيلة بني عامر كانت تفتخر على العرب أنها من القبائل القليلة التي لم يُسْبَ منها امرأة واحدة، ولم يؤخذ منها أسير، وكان هذا إعلان ارتباط بين الرسول وبين قبيلة قوية عن طريق النسب، وبهذا تتناقص الأرض من حول المشركين. فإذا أضفت إلى ذلك أن السيدة ميمونة بنت الحارث هي خالة خالد بن الوليد ، وكان خالد بن الوليد ساعتها لا يزال مشركًا، وهي أخت أم الفضل زوجة العباس بن عبد المطلب، وكانت من أعظم العرب نسبًا، وكانوا يقولون: إنها من أعظم الناس أصهارًا، وعَلاقاتها الإنسانية في مكة كبيرة ومتشابكة. فهذا زواج سياسي اجتماعي دعويّ حكيم من رسول الله ، وفي توقيت في قمة الحكمة، وكان هذا الزواج له أبلغ الأثر في مشركي مكة.
وبذلك نرى حرص الرسول على أن يُظهِر قوة المسلمين، وبأس المسلمين أمام مشركي قريش.
فتلك عشرة كاملة، وبهذه الأمور ارتفعت أسهم المسلمين إلى السماء، وظهرت عزة المسلمين، فكانت هذه العمرة من أَجَلِّ وأعظم الأعمال في هذه السنوات السبع الأخيرة، وعُرِفت هذه العمرة بأسماء كثيرة منها عمرة القضاء، وعمرة القضية، وعمرة القصاص، وعمرة الصلح، وهذه كلها أسماء لنفس العمرة في العام السابع من الهجرة.
الرسول يواصل سياسة الضغط على غطفان
وبعد هذه العمرة المباركة تابع الرسول سراياه في مناطق غطفان من جديد، وأرسل إليهم سريتين: واحدة في ذي الحجة 7هـ، وواحدة في صفر 8هـ، وواصل سياسة الضغط على غطفان حتى تلين قناتهم، وحتى يعرفوا جدية المسلمين وبأسهم.
[14] رواه النسائي (2873) ترقيم عبد الفتاح أبي غدة، والترمذي (2847) ترقيم أحمد شاكر، وصححه الألباني.
[15] ابن كثير: السيرة النبوية، تحقيق مصطفى عبد الواحد، دار المعرفة، بيروت، 1396هـ- 1971م، 3/430.
[16] رواه مسلم (1266)، وأبو داود (1886)، وأحمد (2686).
إسلام ثلاثة من عمالقة الصحابة
كان هناك حدث عظيم في شهر صفر سنة 8هـ، وهو من أعظم ثمار الحديبية، ومن أعظم ثمار عمرة القضاء، وهذا الحدث هو لحظة فارقة حقيقة ليس في تاريخ مكة المكرمة، وليس في تاريخ الجزيرة العربية، وليس في تاريخ العالم نفسه في ذلك الوقت، ولكن في تاريخ الإنسانية كلها، وإلى يوم القيامة عندما نتدبر هذا الحدث وآثاره؛ وهذا الحدث العظيم هو إسلام خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة رضوان الله عليهم أجمعين، فهم ثلاثة من عمالقة مكة، بل من عمالقة الأرض قاطبةً، وهؤلاء الثلاثة لم يسلموا فقط في شهر صفر سنة 8هـ، ولكن أسلموا في يوم واحد، إنه نصر كبير للإسلام والمسلمين، وقد عبر عنه الرسول بقوله: "رَمَتْكُمْ مَكَّةُ بِأَفْلاَذِ كَبِدِهَا"[17].
وهؤلاء الثلاثة أفلاذ كبد مكة، إن إسلامهم كان نقطة محورية في السيرة النبوية، ونقطة محورية في تاريخ الأرض كلها. وانظرْ إلى الآثار التي حدثت في الأرض على يدي خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص رضي الله عنهما، إنه شيء مهول؛ فقد فتحت العراق، وفتحت فارس، وفتحت بلاد ما وراء النهر، وفتحت أرمينية، وفتحت بلاد كثيرة جدًّا في آسيا، وفتحت الشام، كل ذلك على يد البطل خالد بن الوليد ، وكذلك فتحت فلسطين، وفتحت مصر على يد عمرو بن العاص . ولنتخيل كم من المسلمين في هذه البلاد، وكم من الأعمال الصالحة، وكم من الجهاد في سبيل الله، وكم من الدعوة إلى الله ، وكم من العلم، وكم من الإضافات للإنسانية، كل هؤلاء دخلوا بجهاد هذين البطلين العظيمين خالد بن الوليد وعمرو بن العاص رضي الله عنهما، فهو إنجاز هائل للمسلمين في العام الثامن من الهجرة. وكان إسلام هذين البطلين من أقوى الإضافات في تاريخ الإسلام، وقد أعطاهم الرسول أهمية خاصة في أحاديثه، وفي معاملاته لدرجة أنه أعطى خالد بن الوليد لقبًا ما أعطاه لأحد قبله ولا بعده، فقد سماه الرسول سيف الله المسلول ، وقال عن عمرو بن العاص كلمات ما قالها لأحد غيره، قال عنه: "أَسْلَمَ النَّاسُ، وَآمَنَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ"[18].
إنها كلمة كبيرة في حق هذا البطل. وقال أيضًا في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه الألباني: "عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ مِنْ صَالِحِي قُرَيْشٍ"[19].
وهذا الكلام يحمل أبلغ الرد على كل من يطعن في هذا الصحابي الجليل، الذي فتح بلادًا شتى، ولا أقول دخل مئات الآلاف في الإسلام على يديه، ولكن دخل الملايين من البشر، ليس في زمنه فقط ولكن إلى الآن، وكل المسلمين في كل بقعة في فلسطين وفي العراق وفي مصر وفي الشام وفي غير ذلك من بلاد العالم يدينون بالفضل لهذين البطلين، فهو أمر خارج عن التخيل، وهو لحظة فارقة من أعظم لحظات التاريخ الإسلامي.
[17] أبو الربيع الأندلسي: الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء، تحقيق د. محمد كمال الدين، عالم الكتب، بيروت، الطبعة الأولى 1417هـ، 2/127.
[18] رواه الترمذي (3844)، وأحمد (17449)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم (973).
[19] رواه الترمذي (3845)، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (4095).
سبب إسلام البطلين خالد وعمرو
أسلم البطلان خالد بن الوليد وعمرو بن العاص بعد سنوات طويلة من الصدِّ عن دين الله ، وإسلام هذين الرجلين يحتاج منا إلى وقفة وتحليل، فما الذي دفع هؤلاء إلى الإسلام؟ إنه الانبهار بقوة الإسلام، والانبهار بعظمة الرسول كقائد، فهؤلاء جميعًا من القادة العسكريين، ومن الفرسان المشهورين في بلاد العرب، ولكنهم وجدوا أنفسهم أمام قائد بارع وعظيم من القوَّاد لم يروا مثله قبل ذلك، وفي موقعة أُحد فشل خالد بن الوليد تمامًا في قهر الخطة التي وضعها الرسول ، وفي إحباط هذه الخطة إلا بعد أن خالف الرماة أمر الرسول ، ولكن الخطة كانت في تمام الإحكام، وكان خالد يرى ذلك ويعلم أنه لن يهزم الرسول ، ولولا مخالفة الرماة ما استطاع خالد أن يغزو المسلمين من خلفهم، ولهرب مع من يهرب. وعادت قريش في الأحزاب، ولم تدخل المدينة المنورة، وعاد خالد من الحديبية ولم يتمكن من قتال المسلمين، يواجه خالد الفشل أمام الرسول ، وهو منبهر تمام الانبهار بقوة وبأس وتخطيط الرسول ، وفوق ذلك هو منبهر بأخلاق الرسول كداعية وإنسان يعيش في وسط الناس بمبادئ وقيم معينة ما يخالفها، والعسكريون عادةً يدوسون على كل القيم والأخلاق، ويحققون الأهداف بصرف النظر عن الوسائل، ولكن خالد بن الوليد شَاهَدَ في الرسول رجلاً عسكريًّا حكيمًا، وقائدًا قويًّا، ومع ذلك يتحلى بكامل الأخلاق الحميدة، وبلغ فيها الذروة، والرسول طوال حياته الصادق الأمين، وما استطاع أبو سفيان - مع شدة عداوته له - أن يقول في حقه كلمة سلبية واحدة أمام هرقل زعيم الروم، هذا قائد أخلاقي من الدرجة الأولى؛ فخالد بن الوليد منبهر تمام الانبهار، وكذلك عمرو بن العاص مذهول بشخصية الرسول ، وهذا الذي دفعهم بعد ذلك للإسلام، ولكن القوة الإسلامية التي ظهرت في صلح الحديبية، والتي ظهرت في عمرة القضاء، كان لها أبلغ الأثر في إسراع خطوات إسلام القائدين العظيمين خالد وعمرو رضي الله عنهما.
قصة إسلام خالد بن الوليد
وقف خالد بن الوليد في جمعٍ للمشركين بعد خروج الرسول من مكة في عمرة القضاء في أواخر العام السابع من الهجرة، وقال للجميع كلامًا عجيبًا، قال لهم: لقد استبان لكل ذي عقل أن محمدًا ليس بساحر ولا شاعر، وأن كلامه من كلام رب العالمين[20].
في هذا الموقف انبهر خالد بقوة وعزة الإسلام، فقام في هذا المقام وقال هذه الكلمات، وهو من أعظم زعماء مكة مطلقًا، ودائمًا كان خالد قائد الفرسان في كل معارك قريش، ولعل هذا هو الذي أخَّر إسلامه إلى هذا الوقت، فقد أسلم خالد وكان عمره سبعة وأربعين عامًا، وفي كل هذه الفترة كان زعيمًا وقائدًا في قريش. ولا شك أنه كان يخشى على مكانته إذا انضم إلى الإسلام، ولا شك أنه كان له مكانة مرموقة في الجيش المكي، وله مكانة مرموقة في العرب، وخاف على هذه المكانة أن تضيع، إضافةً إلى أن أباه كان الوليد بن المغيرة، وهو من أشد أعداء الدعوة الإسلامية، ولكن خالد بن الوليد تغير وانبهر بقوة الإسلام، وانبهر بالرسول ، فقال خالد هذه الكلمات التي تعبر عن رغبته في دخول الإسلام: فحقٌّ لكل ذي لبٍّ أن يتبعه[21]. إنها كلمة خطيرة على قريش، وسمع أبو سفيان كلام خالد بن الوليد فناداه بسرعة، حتى يتأكد من قول خالد لهذا الكلام، فأكد له خالد صحة ما قال، وكرر نفس الكلمات أمام أبي سفيان، واندفع أبو سفيان إلى خالد بن الوليد، وكاد يضربه، وحجز بينهما عكرمة بن أبي جهل، وكان عكرمة ساعتها لا يزال مشركًا، وعكرمة من أكثر الرجال قربًا إلى قلب خالد بن الوليد، وبينهما صداقة قديمة، فحجز عكرمة بين أبي سفيان وخالد، وقال كلمات عجيبة هو الآخر لأبي سفيان:
"مهلاً يا أبا سفيان، فوالله خفتُ للذي خفتَ أن أقول مثل ما قال خالد وأكون على دينه". أي أنني خفتُ أن أكون على دين محمد بعد هذا الذي رأيت في عمرة القضاء، ثم قال له:
"أنتم تقتلون خالدًا على رأي رآه؟! وهذه قريش كلها تبايعت عليه، والله لقد خفت ألاّ يحول الحول حتى يتبعه أهل مكة كلهم"[22].
فالجميع منبهر بالرسول وبجيش المؤمنين، يقول تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 14].
إن الجميع يعلم أن الإسلام هو الدين الحق، وأن الرسول حق، ولكن بعضهم كسر كبرياءه ودخل في دين الرسول ، وبعضهم ظل في كبريائه ومات على كفره. والحمد لله أن كل من اشترك في هذا الحوار قد أسلموا بعد ذلك، ولكن تأخر إسلام بعضهم عن بعض. فهذا كان موقف خالد بن الوليد ، ولا ننسى أن خالد بن الوليد قال في الحديبية كلمة عظيمة في حق المسلمين: "إن القوم ممنوعون".
عندما نزلت صلاة الخوف كما فسرنا قبل ذلك "إن القوم ممنوعون" أي أن الله يحيطهم برعايته وعنايته، وكان لهذا الموقف أثر كبير في قلب خالد بن الوليد، وشيء آخر كان له تأثير في خالد ونقف معه وقفة مهمة، وهو أن خالد بن الوليد عندما رأى جيش المسلمين وهو يدخل مكة المكرمة للعمرة في العام السابع لم يستطع أن يتحمل هذا المنظر في بدايته وخرج من مكة وتركها.
رسالة الوليد بن الوليد لأخيه خالد
دخل الوليد بن الوليد بن المغيرة -وهو من الصحابة الكرام- مع النبي إلى مكة للعمرة، فلما دخل بحث عن أخيه خالد بن الوليد حتى يدعوه للإسلام فلم يجده، فكتب له كتابًا، وقال له فيه:
"بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: فإني لم أرَ أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام، وعقلك عقلك! ومثل الإسلام يجهله أحد؟! وقد سألني رسول الله عنك وقال: (أَيْنَ خَالِدٌ؟) فقلت: يأتي الله به. فقال: "مِثْلُهُ جَهِلَ الإِسْلاَمَ؟! وَلَوْ كَانَ جَعَلَ نِكَايَتَهُ وَجَدَّهُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَلَقَدَّمْنَاهُ عَلَى غَيْرِهِ"، فاستدرك يا أخي ما قد فاتك من مواطن صالحة"[23].
قال خالد: فلما جاءني كتابه نشطت للخروج، وزادني رغبة في الإسلام، وسرني سؤال رسول الله عني، وأرى في النوم كأني في بلاد ضيقة مجدبة، فخرجت في بلاد خضراء واسعة، فقلت: إن هذه لرؤيا. فلما أن قدمت المدينة قلت: لأذكرنَّها لأبي بكر. فقال: هو مخرجك الذي هداك الله للإسلام، والضيق الذي كنت فيه من الشرك.
ولننظر إلى الحكمة النبوية، فالرسول يقول لخالد بن الوليد: لو أضفت قوتك لقوة المسلمين، فلن تكون تابعًا، ولكن سوف نقدِّمك على غيرك، فأنت قائد عظيم، وأنت فارس عظيم، وأنت مجاهد كبير، فأضف هذه القوة إلى قوة الإسلام، وبذلك يكون لك فضل السبق على المسلمين، وإن سبقوك قبل ذلك في دخول الإسلام. هذه الكلمات وصلت إلى قلب خالد بن الوليد ، وهو تأليف عظيم من الرسول لقلب خالد بن الوليد، فلن تضيع منك القيادة والسيادة، ولن يضيع منك أي شيء، وهذه هي الحكمة الحقيقية، ثم يقول الوليد بن الوليد : "فاستدرك يا أخي ما قد فاتك".
لقد فاتتك مواطن صالحة وغزوات كنا نحتاجك فيها، وهذا تحفيز لخالد بن الوليد ألاّ يضيِّع وقتًا آخر. وقد وقعت هذه الكلمات في قلب خالد بن الوليد، قال: "فلما جاءني كتابه نشطت للخروج، وزادني رغبة في الإسلام، وسرتني مقالة رسول الله إن هذه لرؤيا"[24].
وفهم تفسير الرؤيا أنها الخروج من الشرك إلى الإيمان.
خالد يرحل إلى المدينة لإعلان إسلامه
أجمع خالد بن الوليد للخروج إلى الرسول مهاجرًا من مكة إلى المدينة المنورة، يقول:
قلت: "من أصاحب إلى الرسول ؟" فهو لا يريد أن يذهب وحده، يقول خالد :
"فلقيت صفوان بن أمية فقلت: يا أبا وهب، أمَا ترى ما نحن فيه، إنما نحن أكلة رأس -يعني مجموعة قليلة يكفيها رأس من الإبل للأكل، يعني مجموعة قليلة من الناس- والأرض تتناقص من حول قريش، وقد ظهر محمد على العرب والعجم، فلو قدمنا على محمد فاتبعناه".
فأَبَى صفوان أشد الإباء، وقال: "لو لم يبقَ غيري من قريش لما اتبعته".
لأن صفوان بن أمية موتور؛ فقد قُتل أبوه أمية بن خلف في بدر، ونفس الموقف لخالد بن الوليد فقد قتل أبوه الوليد بن المغيرة في بدر، ولكن الله يهدي من يشاء، وقد أسلم صفوان بن أمية بعد فتح مكة. فقابل خالد بن الوليد عكرمة بن أبي جهل، فعرض عليه نفس الكلام، فقال له مثل ما قال صفوان، ورفض تمام الرفض، فقال خالد نفس الكلام: هذا رجل موتور، قُتل أبوه أبو جهل. ولكن خالد لم ييْئَس، وذهب إلى عثمان بن طلحة ، وكان في هذا الوقت مشركًا، فقال له نحوًا مما قال لصاحبيه، فأسرع عثمان بالإجابة.
أي قَبِل فكرة الإسلام، واتفق الاثنان على الخروج للمدينة المنورة وتواعدا، وبالفعل خرجا إلى المدينة المنورة لإعلان إسلامهما بين يدي الرسول .
[20] الصلابي: السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة، الطبعة الأولى، 1422هـ- 2001م، 2/421.
[21] السابق نفسه، الصفحة نفسها.
[22] الصلابي: السيرة النبوية 2/421.
[23] ابن كثير: السيرة النبوية 3/451.
[24] الواقدي: المغازي، تحقيق مارسدن جونس، عالم الكتب، بيروت، 2/747.
قصة إسلام عمرو بن العاص
ظل عمرو بن العاص فترة طويلة من حياته رافضًا لفكرة الإسلام، وعندما أسلم عمرو بن العاص كان عمره سبعة وخمسين عامًا، وتخيل فترة طويلة من حياته وهو يحارب الإسلام والمسلمين، فقد ظل أكثر من عشرين سنة وهو رافض لفكرة الإسلام، لكن ما الذي غيَّر فكر عمرو بن العاص؟ كان عند عمرو بن العاص موانع كثيرة، فقد كان له مكانة كبيرة في قريش مثل خالد بن الوليد، وكان أبوه العاص بن وائل من أشد أعداء الدعوة الإسلامية، فهو من بيت يكره الإسلام والمسلمين، فهذا ما جعله يتأخر هذه الفترة الطويلة من الزمن، ولكن بداية تغيير فكر عمرو بن العاص كان مع انصراف الأحزاب، يقول عمرو بن العاص: "ولما انصرفنا مع الأحزاب عن الخندق، جمعت رجالاً من قريش كانوا يرون رأيي، فقلت لهم: والله إني أرى أمر محمدٍ يعلو الأمور علوًّا منكرًا".
وبدأ عمرو بن العاص -وهو من أحكم العرب وأدهى العرب- يرقب بعينه ما قال الرسول : "الآنَ نَغْزُوهُمْ وَلاَ يَغْزُونَا"[25].
فإن الأيام القادمة للمسلمين، وسوف يعلو نجم الإسلام في الجزيرة العربية كلها.
عمرو يذهب للحبشة ويسلم على يد النجاشي
رأى عمرو أن يلحق بالنجاشي ويترك مكة المكرمة بكل ما فيها ويذهب إلى الحبشة، وكان النجاشي صديقًا حميمًا لعمرو بن العاص ، فيقول: "رأيت أن نلحق بالنجاشي، فنكون عنده، فإن ظهر محمدٌ على قومنا كنا عند النجاشي، فإنَّا أن نكون تحت يديه أحب إلينا أن نكون تحت يدي محمد". ولننظر إلى مدى الكراهية للرسول .
"وإن ظهر قومنا فنحن مَن قد عرفوا، فلن يأتينا منهم إلا خيرٌ". أي لو انتصرت قريش على المسلمين سيعود بعد ذلك عمرو بن العاص وله من المكانة المحفوظة ما له في قريش. فهذا موقف سلبي من عمرو بن العاص في ذلك الوقت، وسبحان الذي أعزه بعد ذلك بالإسلام! ووافقه أصحابه على هذا الرأي، وقال لهم: "فاجمعوا لنا ما نهديه له، وكان أحب ما يُهدى إليه من أرضنا الأَدَمُ".
ولذلك جمعوا له كمية كبيرة من الجلود، وسافروا إلى النجاشي، ثم يقول عمرو بن العاص: فوالله إنا لعنده إذ جاءه عمرو بن أمية، وقد أرسله الرسول للنجاشي ليأتي بجعفر بن أبي طالب وأصحابه بعد صلح الحديبية، فساعتها عندما رأى عمرو بن العاص عمرو بن أمية عند النجاشي، فكر أن يطلب قتل عمرو بن أمية، فإن قتله أصبحت له يد كبيرة على قريش، فدخل على النجاشي، فقال له:
أيها الملك، إني قد رأيت رجلاً خرج من عندك، وهو رسول رجل عدو لنا، فأعطنيه لأقتله؛ فإنه قد أصاب من أشرافنا. فغضب النجاشي غضبًا شديدًا؛ يقول عمرو بن العاص:
فلو انشقت لي الأرض لدخلت فيها فَرَقًا منه. فقال له:
أيها الملك، والله لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتك.
فقال النجاشي -وكان قد أسلم وأخفى إسلامه، ولكنه وجد فرصة أن يدعو عمرو بن العاص للدخول في الإسلام؛ لأن النجاشي لم يعلن إسلامه في الحبشة حتى لا يقتلعه قومه من كرسيِّه، ولكن عمرو بن العاص صاحبه وصديقه وبينهما عَلاقة قديمة، فأراد أن يصل إليه بالخير الذي وصل إليه قبل ذلك- فقال له:
أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى لتقتله.
فقال عمرو بن العاص: أيها الملك، أكذلك هو؟ أي هو رسول من رب العالمين.
فقال: ويحك يا عمرو! أطعني واتبعه؛ فإنه والله لعلى الحق، وليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده.
فقذف الله الإسلام في قلب عمرو، ولكن ذلك كان نتيجة تراكمات كثيرة، وهو منبهر بالرسول r، ومنبهر بحياة الرسول وفجأة اكتشف الحقَّ أمام عينيه.
فقال للنجاشي: أتبايعني له على الإسلام؟
قال النجاشي: نعم.
يقول عمرو: فبسط يده، فبايعته على الإسلام[26].
فأسلم عمرو بن العاص على يد النجاشي رحمه الله. فالمكان الذي هرب فيه من الإسلام هو المكان الذي أسلم فيه، أسلم على يد النجاشي، وصدق الله تعالى إذ يقول في كتابه الكريم: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص: 56].
عمرو يتوجه إلى الجزيرة العربية لإعلان إسلامه
أسلم عمرو بن العاص أمام النجاشي، وكتم إسلامه عن أصحابه وتركهم، وعاد إلى الجزيرة العربية، وهو ينوي الذهاب إلى رسول الله لإعلان الإسلام بين يديه، فوصل إلى مكة المكرمة، ومكث فيها قليلاً، ثم خرج بعد ذلك في اتجاه المدينة المنورة، وهو خارج قابل خالد بن الوليد وعثمان بن طلحة، فسأل خالد بن الوليد:
أين يا أبا سليمان؟
فقال خالد بن الوليد -في منتهى الصراحة والوضوح-: والله لقد استقام المنسم (أي وضح الطريق)، وإن الرجل (أي الرسول ) لنبيٌّ، أذهبُ والله فأُسلم.
فقال عمرو بن العاص: والله ما جئتُ إلا لأسلم.
[25] رواه البخاري (3884)، وأحمد (18334).
[26] الصلابي: السيرة النبوية 2/422.
فرسان مكة الثلاثة أمام الرسول يعلنون إسلامهم
وتحرك خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة من مكة إلى المدينة المنورة، حتى وصلوا إلى منطقة الحَرَّة، وهناك عند منطقة الحرة أناخوا ركابهم، وبدءوا يستعدون للقدوم على الرسول . يقول خالد: فلبستُ من صالح ثيابي، ثم عمدت إلى رسول الله . وهو ذاهب للرسول لقيه أخوه الوليد بن الوليد ، فقال: أسرع؛ فإن رسول الله قد أُخبر بك، فسُرَّ بقدومك وهو ينتظركم.
يقول خالد: فأسرعت المشي، فطلعت عليه، فما زال يتبسَّم إليَّ حتى وقفت عليه، فسلمت عليه بالنبوة، فرد عليَّ السلام بوجه طلق، فقلت:
إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله.
فقال: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاكَ، فَقَدْ كُنْتَ أَرَى لَكَ عَقْلاً رَجَوْتُ أَلاَّ يُسْلِمَكَ إِلاَّ لِلْخَيْرِ".
قلت: يا رسول الله، قد رأيت ما كنت أشهد من تلك المواطن عليك معاندًا للحق، فادعُ الله أن يغفرها لي.
فقال رسول الله : "الإِسْلاَمُ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ".
قلت: يا رسول الله، على ذلك.
فقال: "اللُّهُمَّ اغْفِرْ لِخَالِدٍ كُلَّ مَا أَوْضَعَ فِيهِ مِنْ صَدٍّ عَنْ سَبِيلِكَ"[27].
ثم تقدم عمرو بن العاص ، فقال لرسول الله : أبسط يمينك فأبايعك.
فبسط يمينه ، فقبض عمرو يده، فقال الرسول : "مَا لَكَ يَا عَمْرُو، لِمَاذَا تَقْبِضُ يَدَكَ؟"
قال عمرو: أردتُ أن أشترط.
فقال الرسول: "تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟"
قلت: أن يُغفر لي.
فقال الرسول : "أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإِسْلاَمَ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟"[28].
وأسلم عمرو بن العاص ، ثم تقدم عثمان بن طلحة وأسلم هو الآخر، وكان إسلام عثمان بن طلحة إضافةً سياسية في منتهى القوة للدولة الإسلامية.
وهؤلاء عمالقة مكة: خالد بن الوليد بن المغيرة، وعمرو بن العاص بن وائل، وعثمان بن طلحة العبدري ، ثلاثة من أثقل الفرسان في تاريخ مكة جميعًا.
كان هذا هو الحادث الهائل الذي حدث في صفر سنة 8هـ، وهو من أعظم آثار الحديبية وعمرة القضاء مطلقًا، وآثار هذا الحدث ما زلنا نجنيها حتى وقتنا هذا، وسنظل نجني من هذه الآثار إلى يوم القيامة.
إنه حدث هائل، ولن ندرك عظمته إلا بدراسة الفتوحات الإسلامية، ورؤية الآثار التي تركها هؤلاء العمالقة للإسلام والمسلمين.
[27] الواقدي: المغازي 2/749.
[28] مسلم: كتاب الإيمان، باب كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج (121)، ترقيم فؤاد عبد الباقي.
الأحد، 6 ديسمبر 2009
قوة الإسلام
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
السلام عليكم ضع تعليقك وأترك بصمتك علي الموضوع مع خالص أحترامي وتقديري