السبت، 30 يوليو 2011

"الشعبنة" بالحجاز بين الماضي والحاضر


"الشعبنة" موروث قديم درج أهل الحجاز في مدن غرب السعودية على أداء طقوس إقامته منذ منتصف شهر شعبان لتبلغ ذروتها في آخر يومين من الشهر، احتفاء باستقبال شهر رمضان الكريم، وتوديع الأكل والشرب أثناء النهار، ويضعها آخرون تحت مسمى (يا نفس ما تشتهي) وهي لفظة مستوحاة وفق سياقها اللفظي من مصطلح توديع شهر شعبان.

وتختلف طرق الاحتفاء بـ"الشعبنة" من جيل إلى جيل، فقد كانت أسر مدن الحجاز -مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة والطائف- في الماضي تخرج للمنتزهات البرية والبساتين، أما اليوم فيحتفى بها في البيوت الكبيرة أو الاستراحات.

ووفق عدد من المصادر المهتمة بتوثيق تاريخ الحجاز وتراثه، فإن "الشعبنة" فلكور شعبي من الصعب تحديد امتداده التاريخي. ويشير البعض إلى أنها حزمة تراكمات لعادات اجتماعية تطورت وفقاً لثقافات الشعوب وتغيراتها السياسية والاجتماعية، بينما يرى آخرون أنها عادة منقولة من العهد المملوكي إلى مدن الحجاز.

وبعيداً عن التاريخ وسياقاته المختلفة، ينظر من الجانب الشرعي للشعبنة باعتبارها "بدعة وضلالة يحرم الاحتفال بها" لمخالفتها النصوص الشرعية المستمدة من الكتاب والسنة. وقد أصدرت هيئة كبار العلماء (المؤسسة الدينية الرسمية) قبل أيام فتوى تقضي بتحريم هذه العادة.

تقوية الروابط

من جهته، يشير أديب الحجاز الدكتور عاصم حمدان إلى أن "موجة الهجرات التي توافدت على الحجاز قديماً ومن مختلف الثقافات والشعوب، طورت كثيرا في نمطية هذا الفلكور".

جانب من الاحتفال بالشعبنة

ويروي الأديب حمدان أن "الأسر كانت تدفع مبلغ ماليا يطلق عليه (القطة) مساهمة منها في مصاريف إعداد الاحتفال وتحضير الولائم والأكلات الشعبية، إضافة إلى تجهيزات مكان الاحتفال الذي غالباً ما يكون عبارة عن مخيم في المناطق البرية، حيث تمارس الألعاب الشعبية كرقصة المزمار وما يعرف باللهو المباح نسياناً للأحزان".

وعلى مستوى الجيل الجديد بالحجاز، يؤكد حمدان أن مفهوم الشعبنة تطور كثيرا، حيث أخذ أشكالا جديدة للاحتفال من ذلك حفلات الشواء وسهرات التسامر الفني والإنشادي، إضافة إلى الرحلات البحرية.

وتشتهر كل مدينة في الحجاز بأكلة معينة في الاحتفاء بالشعبنة، حيث تمتاز مكة المكرمة مثلا بأكلة "السليق والمبشور والرز العربي" بينما تشتهر المدينة المنورة بأكلة الحسيسة (وهي عبارة عن تمر ودقيق مخلوط بالسمن البري).

حالة انحسار

ورغم كون الشعبنة فلكورا شعبيا قديما، فإن حالة انحسار تواجه هذا اللون الحجازي. ويؤكد المؤرخ السعودي زيد الفضيل أن طقوس الشعبنة تقلصت عند أهالي الحجاز بسبب "التغير السكاني الديموغرافي الحاصل في المدن الحجازية بفعل توافد هجرات أبناء البادية على الحجاز وأيضا هجرة أبناء لحجاز إلى مناطق أخرى إضافة إلى إهمال جهات الاختصاص رصد وتوثيق التراث الحجازي".

في المقابل يرجع حمدان انحسار الشعبنة إلى "تشدد الرؤية الدينية بالسعودية في التعامل مع هذه العادة كونها بدعة محرمة لا تجوز" معتبرا ذلك غير صحيح لأنه لا يجب جر الفلكور الشعبي إلى مثلث السياق الديني، بل وضعه في الخانة التواصلية الاجتماعية".

وطالب كل من حمدان والفضيل هيئة السياحة والآثار السعودية بالاهتمام أكثر بتدوين هذه الموروثات والفلكلورات الشعبية التي تمثل تاريخ منطقة الحجاز.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

السلام عليكم ضع تعليقك وأترك بصمتك علي الموضوع مع خالص أحترامي وتقديري