الثلاثاء، 20 أكتوبر 2009

يوسف في البئر


  • الظلام ينتشر دامساً من حوله ، ولكن ليس أشد حلكة من ظلام قلوب الأخوة الأحد عشر، تكور على نفسه من شدة البرودة ، صدرت عنه آهة تشكو برودة قاع البئر وقسوتها ، ارتدت إليه بعد أن اصطدمت بجدران البئر الصماء .
    عواء الذئب ينتشر في الأصقاع الباردة .
    - لماذا يستمر في العواء.. ألم يشبع يعد ؟
    تظهر عينا راحيل الباكيتان من خلال الظلام .
    - انظري ماذا فعلوا بي أمي ، …….. البرودة تمزق أوصالي ….. قتلوني يا راحيل .
    قالت عيناها :
    - استجب لهم يا يوسف .
    - يريدون أن أنقلب إلى …… ذئب !.
    وبكت راحيل .
    - لماذا تبكين ؟.
    - كلنا ذئاب يا يوسف .
    صرخ يوسف :
    - لا ……. لن أصبح ذئباً .
    قالت مشفقة :
    - سينقلب البئر إلى وحش يمزقك .
    - إن تحولت إلى ذئب سآكل نفسي في نهاية المطاف .
    - عد إلى حضني يا يوسف .
    - هل أعود ذئباً ؟.
    أغمضت عينيها بأسىً ، ولم تفتحهما .
    - عودي يا راحيل …… لست أحتمل الوحدة .
    ضحكات الأخوة الأحد عشر تأتيه من خلال فتحة البئر ، الظلام يزداد حلكة ، ويزداد معه الخواء في لحظات الصمت ، تصل إلى سمعه مجموعة أصوات عاوية ، كان عواء قطيع من الذئاب ، خيل إليه أن ذئباُ يحمل في فمه أحد عشر ناباً أسوداً قد أطل من خلال فوهة البئر ، غطى عينيه بكفيه ، وصرخ نافيا :
    - لا ……. محض خيال .
    ظلمات البئر تصدر صريراً يشبه الضحكات ، صوت نواح أم يأتيه من عالم بعيد …… بعيد .
    - عودي يا راحيل ….. ضميني على دفء حضنك .
    صقيع الصحراء بدأ عواءه المجنون ، عاد يوسف للتكور من جديد
    :
    - لماذا سرقتم قميصي ؟، يكاد يقتلني الصقيع .
    ثم عاد كمن ينفي :
    -لا ،…. لقد مزقه الذئب .
    لا تبك يا يعقوب ، عد إلى فراشك ،….. يوسف أكلته الذئاب وانتهى أمره منذ زمن موغل في القدم ، فلماذا البكاء يا يعقوب ؟.
    - هاهم يرقصون حول النار ، … يرقصون ……. ويرقصون …. ويرقصون .. إلى أن يتساقطوا حول النار الراقصة .
    صاح ذئب :
    - انتهى يوسف إلى الأبد ، قتلته الذئاب ، ولن يعود ، ….. ابكوا يا أخوتي فرحاً ……. ابكوا.
    بنيامين مات أيضاً ……. تحول إلى ذئب يعوي .
    عاد الذئب بنيامين إلى البئر ، وأطل براسه :
    - لقد كبرت كثيراً يا يوسف .
    لم يجبه يوسف ، نهش بنيامين الذئب ذراع يوسف فاقتلعها ، صرخ يوسف ألماً ، قال بنيامين ساخراً :
    - مت بجراحك النازفة .
    نزفت الدماء من الجرح ، وغطى دمه أنحاء جسده .
    - لماذا يا بنيامين الذئب ؟.
    عاد وأطل برأسه :
    - الذئاب لا تعترف بك ،……. عد من حيث أتيت …… إلى رحم أمك .
    صرخ يوسف كمن تذكر بعد نسيان طويل :
    - أمييييييييييي …… راحييييييييييييييييل .
    عاد بنيامين الذئب ، وضحك بغرور :
    - أنج بنفسك يا يوسف .
    - ماذا تريدون ؟.
    - أن تنقلب إلى ذئب .
    - لا أستطيع .
    - قال بنيامين :
    - إذن ، فلتلتهمك الأرض .
    بعد ليال عاد بنيامين الذئب مستفسراً :
    - يوسف أيها الصديق ……. أفتني في نجم هوى من السماء إلى قيعان مجهولة ، اختفى هناك ثم لم يعد .
    قال يوسف باطمئنان :
    - إنك لتنعى إليَّ نفسي .
    ضحك بنيامين ساخراً :
    - لسوف تريحنا من عنائك أيها ………. الإنسان
    ازداد تدفق الدماء النازفة من جراحه ،… أسند رأسه إلى صخرة حادة ، ولم يعد يبالي بالألم النازف من جراحه ، فتح عينيه المغمضتين ، اتسع شق صغير في قاع البئر ،……. أخذ يزداد اتساعاً … اقترب من يوسف ، أخذ يشد جسد يوسف إليه … لم يستطع الجسد المنهك المقاومة ، ابتلعه الشق ،………… وغاص يوسف في بطنه .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

السلام عليكم ضع تعليقك وأترك بصمتك علي الموضوع مع خالص أحترامي وتقديري